الرقمنة .. الخطر القادم الذي لا يُرى
المحامي حسام العجوري
23-07-2026 12:14 PM
* عندما تصبح البيانات سلاحًا والذكاء الاصطناعي مفتاح السيطرة على العالم
من صنع الإنترنت والذكاء الاصطناعي، امتلك مفاتيح عالم جديد؛ عالم لم تعد فيه القوة تُقاس فقط بالثروات الطبيعية أو الجيوش والأسلحة، بل أصبحت تُقاس بمن يملك التكنولوجيا، ومن يسيطر على البيانات، ومن يستطيع تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات، والقرارات إلى نفوذ وتأثير.
إن التوسع المتسارع في الرقمنة يحمل مخاطر قد تتجاوز ما يتصوره كثيرون، إذ أصبحت أدق تفاصيل حياة الأفراد والدول تُخزن داخل قواعد بيانات رقمية ضخمة، يمكن أن تتحول إلى مصدر نفوذ وسيطرة إذا وصلت إلى الجهات الخطأ. فكل توسع في الاعتماد على الرقمنة يزيد من احتمالات الاختراقات الإلكترونية، وتسرب المعلومات، وفقدان السيطرة على البيانات الحساسة، ويجعل الأمن الرقمي أحد أخطر التحديات التي تواجه العالم.
فالبيانات لم تعد مجرد أرقام أو ملفات محفوظة داخل أجهزة الحاسوب، بل أصبحت تمثل صورة متكاملة عن الإنسان والمجتمع والدولة. السجلات الصحية، والمعلومات العلمية، والبيانات الاقتصادية، والبيانات البيولوجية، وأنماط الحياة، كلها أصبحت ثروة استراتيجية هائلة. ومن يمتلك هذه البيانات، ويملك القدرة على تحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي، يمتلك قدرة استثنائية على الفهم، والتنبؤ، والتأثير، وصناعة القرار.
إن الخطر الحقيقي لتسرب البيانات الرقمية لا يقتصر على انتهاك الخصوصية، بل يمتد إلى فقدان السيطرة على معلومات تمثل جزءًا من الأمن الوطني، والأمن الاقتصادي، والأمن الصحي. فالمعلومة التي تبدو منفردة عديمة الأهمية قد تتحول، عند جمعها مع ملايين البيانات الأخرى وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي، إلى مصدر قوة هائل يمنح من يملكها قدرة على فهم المجتمعات والتأثير فيها.
ومن أخطر المجالات المستقبلية البيانات البيولوجية والطبية، فالمعلومات المتعلقة بجسم الإنسان، والجينات، والأبحاث العلمية، والأمراض، والعلاجات، تحمل قيمة استثنائية في مستقبل الطب، لكنها في الوقت ذاته قد تصبح من أخطر أنواع البيانات إذا خرجت عن إطار الحماية القانونية والأخلاقية، و أستخدمت لصناعة أسلحة بيولوجية .
إن المعركة القادمة في العالم لن تكون فقط على النفط أو الغاز أو المعادن أو الأراضي، بل ستكون معركة على البيانات والمعرفة. فمن يملك البيانات ويملك القدرة على تحليلها، يمتلك جزءًا كبيرًا من القوة العالمية، وقد يمتلك القدرة على التأثير في الاقتصادات، والأسواق، والرأي العام، وحتى في القرارات السياسية والاستراتيجية.
ومن يصنع التكنولوجيا، يملك القرار. فالدول والشركات التي تطور الإنترنت والذكاء الاصطناعي ومنصات الحوسبة العملاقة، لا تنتج أدوات تقنية فحسب، بل ترسم ملامح المستقبل، وتضع قواعد اللعبة العالمية، وتمتلك وسائل التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن والمعرفة.
لذلك فإنني لا أنصح بالتوجه الكامل نحو الرقمنة، وخاصة في الملفات والبيانات الحساسة، وأرى ضرورة حماية البيانات الصحية والبيولوجية والعلمية بأعلى درجات الأمان، مع الحفاظ على الوثائق الرئيسية والسيادية بنسخ ورقية وآمنة، وعدم الاعتماد المطلق على الأنظمة الرقمية، لأن أي اختراق أو عطل أو تسرب قد يؤدي إلى خسائر يصعب تعويضها.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون من أعظم الإنجازات العلمية إذا خضع للمسؤولية والأخلاق والرقابة القانونية، لكنه قد يتحول إلى أداة بالغة الخطورة إذا وقع في أيدي جهات أو شركات تسعى إلى احتكار المعرفة، أو توظيفها لتحقيق الهيمنة والسيطرة على الشعوب والدول.
إن المستقبل لن يكون للأقوى عسكريًا فقط، بل للأقدر على حماية بياناته، وصون معرفته، والحفاظ على سيادته الرقمية. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت البيانات موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو المياه أو الثروات الطبيعية.
فالخطر القادم قد لا يكون جيشًا يعبر الحدود، ولا صاروخًا يخترق السماء، بل معلومة تتسرب بصمت، وقاعدة بيانات تُستغل في الخفاء، وخوارزمية تمتلك من المعرفة ما يكفي للتأثير في مصير الأفراد والدول... دون أن تُطلق رصاصة واحدة.