facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ظاهرة الجريمة في الاردن


د. بركات النمر العبادي
08-06-2026 12:25 PM

* جرائم الأسرة بوصفها إنذاراً مبكراً لهشاشة المجتمع والمنظومة الامنية الاجتماعية

في الدول المستقرة لا تُقاس قوة المجتمع فقط بعدد أفراد الأجهزة الأمنية أو بصلابة القوانين، وإنما بمتانة الأسرة وقدرة المجتمع على إنتاج منظوماته الذاتية للضبط الاجتماعي والتكافل والتوازن النفسي والأخلاقي. فالأسرة هي المؤسسة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان، وحين تبدأ هذه المؤسسة بالتصدع، فإن ما يظهر على السطح من جرائم وعنف ليس سوى أعراض متأخرة لأزمة أعمق وأكثر خطورة.

إن تكرار جرائم القتل الأسرية خلال الفترة الأخيرة في الأردن، بمختلف أشكالها وأنماطها، يدفعنا إلى مغادرة منطقة التفسير السطحي الذي يتعامل مع كل حادثة بوصفها واقعة منفصلة، والدخول إلى منطقة التفكير الفلسفي والاجتماعي الأعمق، حيث تصبح هذه الجرائم مؤشرات على تحولات بنيوية تمس التماسك الاجتماعي ذاته.

فالجرائم الأسرية لم تعد تقتصر على نمط واحد؛ فمنها جرائم بين الأزواج، ومنها جرائم بين الآباء والأبناء، ومنها جرائم بين الأشقاء أو الأقارب، ومنها ما يرتبط بخلافات مالية أو ضغوط نفسية أو نزاعات اجتماعية متراكمة ، وهذا التنوع في أنماط العنف يشير إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في سلوك فردي منحرف ، بل أصبحت تمس البيئة الاجتماعية التي يفترض أنها تنتج الاستقرار والاحتواء والتوازن.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي ، فإن ارتفاع معدلات العنف داخل الأسرة يعد من أخطر المؤشرات على تراجع فاعلية منظومات الضبط الاجتماعي التقليدية ، التي كانت تاريخياً تقوم على دور الأسرة الممتدة والعشيرة والمسجد والمدرسة والمؤسسات المجتمعية المختلفة ، فعندما تضعف هذه المؤسسات أو تفقد قدرتها على التأثير، يصبح الفرد أكثر عزلة ، وأكثر عرضة للانفجار النفسي والسلوكي عند أول أزمة أو صدمة أو ضغط معيشي.

لقد أدرك الفيلسوف المحافظ إدموند بيرك منذ قرون أن المجتمع لا يحيا بالقانون وحده ، بل بشبكة من الروابط الأخلاقية والتقاليد والمؤسسات الوسيطة التي تربط الإنسان بمحيطه ، وعندما تتآكل هذه الروابط، يصبح المجتمع أكثر هشاشة مهما بدا مستقراً من الخارج، وهذا ما يجعل الجرائم الأسرية المتكررة جرس إنذار حقيقياً حول مستوى التماسك الاجتماعي الذي يشكل أحد أهم عناصر الأمن الوطني.
غير أن قراءة المشهد لا تكتمل إذا أغفلنا البعد الاقتصادي الذي بات حاضراً بقوة في خلفية الكثير من الأزمات الاجتماعية. فالبطالة المرتفعة، وتراجع فرص العمل، واتساع دائرة الفقر، وارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط المعيشية المتراكمة ، ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية ، بل عوامل تنتج حالات من الاحتقان والإحباط وفقدان الأمل ، وتدفع العديد من الأسر إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر النفسي والاجتماعي.

ومن هنا فإن الأزمة تتجاوز كونها مشكلة اجتماعية أو أخلاقية فحسب ، لتلامس أبعاداً أمنية واقتصادية وسياسية متداخلة ، فالأمن المجتمعي ليس ملفاً ثانوياً ، بل هو أحد أعمدة الأمن الوطني الشامل ، وعندما تتراجع الثقة بالمستقبل ، وتضعف الروابط الاجتماعية ، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتتوسع مشاعر التهميش والإقصاء ، فإن المجتمع يدخل تدريجياً في منطقة الهشاشة الاجتماعية التي تتطلب تدخلاً استراتيجياً عاجلاً.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : أين هي الوزارات والمؤسسات المعنية من هذا المشهد؟

فالمواطن لا ينتظر بعد كل جريمة بيان إدانة أو تصريحاً عابراً، بل ينتظر رؤية وطنية متكاملة تتعامل مع جذور المشكلة ، أين الدراسات الوطنية المتخصصة ؟ وأين برامج الوقاية الأسرية ؟ وأين السياسات الموجهة للصحة النفسية ؟ وأين خطط مواجهة البطالة والفقر التي باتت تشكل بيئة خصبة للتوتر والعنف ؟ وأين الخطاب الحكومي القادر على طمأنة الناس وإقناعهم بأن الدولة تدرك حجم الخطر وتتعامل معه بجدية؟

لقد أصبح من الواضح أن المعالجة الأمنية وحدها، على أهميتها، لا تكفي ، فالمطلوب مقاربة وطنية شاملة تشترك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والجامعات والإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية، لإعادة بناء منظومات التماسك الاجتماعي وتعزيز ثقافة الحوار والتكافل والتضامن الأسري.

ومن منظور الفكر المحافظ الأردني الحديث ، فإن قوة الدولة تبدأ من قوة الأسرة ، والاستقرار الوطني يبدأ من الاستقرار الاجتماعي ، والاقتصاد ليس مجرد مؤشرات نمو، بل قدرة المواطن على العيش الكريم والشعور بالأمان والكرامة والأمل. ولذلك فإن حماية الأسرة ليست قضية اجتماعية فحسب ، بل مشروع وطني يرتبط مباشرة بحماية الهوية والاستقرار والأمن.

فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تبدأ بالتصدع من داخل بيوتها ، وحين يصبح البيت ، الذي يفترض أن يكون ملاذاً للأمان، ساحة للخوف والعنف ، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي أن نتعامل مع الأمر باعتباره قضية دولة ومجتمع ، لا مجرد حوادث فردية عابرة.

إن الأردن الذي بنى سمعته على التماسك الاجتماعي والأمن المجتمعي مدعو اليوم إلى وقفة مراجعة وطنية صادقة ، لأن حماية الأسرة ليست شأناً خاصاً ، بل هي حماية للمجتمع والدولة والمستقبل معاً.

حمى الله الاردن من كل كريهة .

* حزب المحافظين الاردني - الامين العام المساعد للثقافة الحزبية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :