ليستِ العاصفةُ ما يصنعُ الخطر .. بل غيابُ الحكمةِ عند هبوبِها
د. ايمان الشمايلة
09-06-2026 10:31 AM
ليستِ الأزماتُ دائمًا دليلَ ضعفٍ أو خلل، بل قد تكونُ لحظاتٍ فارقةً تُختبرُ فيها قدرةُ العقولِ على الرؤيةِ أبعدَ من الضجيج، وأعمقَ من ظاهرِ الأحداث. فحينَ تضطربُ المشاهدُ وتتشابكُ التفاصيل، لا تكونُ النجاةُ بكثرةِ الحركة، بل بحسنِ البصيرة.
الحكمةُ في إدارةِ الأزماتِ تشبهُ منارةً قائمةً على شاطئٍ تعصفُ به الأمواج؛ لا تُوقفُ الريحَ، لكنها تمنعُ السفنَ من الضياع. وهي ذلك الهدوءُ الذي لا تُربكُه المفاجآت، وذلك الوعيُ الذي يقرأُ ما بينَ السطورِ قبلَ أن يقرأَ الكلمات.
ففي كلِّ أزمةٍ طريقان: طريقٌ تقودُه الانفعالاتُ إلى مزيدٍ من التعقيد، وطريقٌ تُضيئُه الحكمةُ نحوَ الفهمِ والحل. وما بينهما تتجلّى قيمةُ الرؤيةِ المتّزنةِ التي تعرفُ متى تُقدِم، ومتى تتأنّى، ومتى تجعلُ من التحدّي فرصةً لبناءِ واقعٍ أكثرَ صلابة.
غير أنَّ الحكمةَ في إدارةِ الأزماتِ لا تتجلّى في القرارِ وحده، بل في القدرةِ على استيعابِ المشهدِ كاملًا؛ فبعضُ الأزماتِ لا تبدأُ من الحدثِ الظاهر، وإنما من تراكمِ التفاصيلِ الصغيرةِ التي لم يلتفتْ إليها أحد. ومن هنا كانت البصيرةُ أسبقَ من المعالجة، والوعيُ أعمقَ من ردِّ الفعل.
وفي لحظاتِ الاضطراب، تتسابقُ التأويلاتُ وتكثرُ الأصواتُ وتتزاحمُ القراءات، لكنَّ الحقيقةَ تبقى بحاجةٍ إلى عينٍ تُحسنُ النظرَ إليها من جميعِ الزوايا. فليس كلُّ ما يُرى كاملَ الصورة، وليس كلُّ ما يُقال يعكسُ جوهرَ الواقع. لذلك كانت الحكمةُ فنَّ جمعِ الخيوطِ المتفرّقةِ قبل إصدارِ الأحكام، وفنَّ قراءةِ الأثرِ قبل الانشغالِ بالصدى.
ولأنَّ الأزماتَ لا تمتحنُ الإمكاناتِ فحسب، بل تمتحنُ القيمَ أيضًا، فإنَّ أعظمَ ما يُصانُ خلالها هو الثقة. فحينَ تبقى الثقةُ حاضرةً، يصبحُ العبورُ ممكنًا مهما اشتدّتِ التحديات، وحينَ تضيعُ الثقةُ تتعقّدُ المساراتُ وإن توفّرتِ الأدوات.
إنَّ التاريخَ لا يخلّدُ العواصفَ بقدرِ ما يخلّدُ طرائقَ التعاملِ معها؛ فالعاصفةُ تنتهي، أمّا الأثرُ الذي تتركُه الحكمةُ في النفوسِ والمؤسساتِ والأوطانِ فيبقى شاهدًا على نُبلِ الرؤيةِ وعمقِ الفهم. فالأزماتُ صفحاتٌ عابرة، أمّا الحكمةُ فهي الحبرُ الذي يكتبُ ما يبقى منها في ذاكرةِ الزمن.
ولعلَّ أجملَ ما في الحكمةِ أنَّها لا تبحثُ عن الانتصارِ على الأزمةِ فقط، بل عن الخروجِ منها أكثرَ وعيًا وصلابةً وقدرةً على بناءِ المستقبل. فكلُّ أزمةٍ تُدارُ بعقلٍ راجحٍ تتحوّلُ إلى مدرسة، وكلُّ تحدٍّ يُواجَهُ ببصيرةٍ يصبحُ بابًا لمعرفةٍ جديدة.
إنَّ إدارةَ الأزماتِ ليست فنَّ مواجهةِ الخطرِ فحسب، بل هي علمُ صناعةِ الأملِ وسطَ القلق، وحسنُ توجيهِ الطاقاتِ نحوَ الحلول. وعندما تتقدّمُ الحكمةُ المشهدَ، تصبحُ الأزماتُ محطّاتِ تعلّمٍ ونموّ، لا محطّاتِ تعثّرٍ وانكسار.
وهكذا تبقى الحكمةُ ليست مجرّد وسيلةٍ لعبورِ الأزمات، بل ثقافةً تُبنى بها المجتمعات، ومنهجًا يُنيرُ الدروبَ حينَ تتكاثفُ الظلال. فكلّما اشتدّتِ العواصفُ، ازدادتِ الحاجةُ إلى مناراتٍ لا تهتزُّ، وإلى وعيٍ يدركُ أنَّ الطريقَ إلى النجاةِ يبدأُ دائمًا من حسنِ التقديرِ وسلامةِ البصيرة.
فالحكمةُ لا تُطفئُ العواصف، لكنها تُعلّمُ كيف يُبحَرُ خلالها بثبات، ولا تُغيّرُ اتجاهَ الرياح، لكنها تُحسنُ توجيهَ الأشرعة. لذلك تبقى الأزماتُ عابرةً مهما عظمت، أمّا الحكمةُ فتبقى الأثرَ الذي يهدي الطريقَ كلّما اشتدّتِ الرياحُ وتعاظمتِ الأمواج.
قد تُرهبُ العواصفُ الأبصار، لكنَّ الحكمةَ وحدها هي التي تُبقي المناراتِ مضيئةً حتى يطلعَ الفجر.