في كل مرحلة من مراحل التاريخ، كانت الأوطان القوية هدفًا للحملات المغرضة، وكانت الدول التي تمتلك موقفًا وسيادةً وقرارًا مستقلاً عرضةً للتشويه والاستهداف. والأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، لم يكن يومًا بعيدًا عن هذه القاعدة؛ فكلما اشتد حضوره السياسي، وتعاظم دوره الإقليمي، وارتفعت مكانته بين الأمم، خرجت أصواتٌ مأزومة تحاول النيل منه ومن مواقفه الوطنية والقومية.
إن الحملة المسعورة التي تستهدف الأردن ملكًا وحكومةً وشعبًا ليست وليدة اليوم، لكنها تتجدد كلما أثبت هذا الوطن قدرته على تجاوز التحديات، وكلما وقف بثبات إلى جانب قضايا أمته، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، دون مزايدات أو شعارات جوفاء أو تجارة بالقضايا الوطنية.
غير أن مواجهة هذه الحملات لا تكون بالصخب ولا بردود الأفعال الانفعالية، ولا بمن يفتقرون إلى المعرفة والحجة وأدوات الإقناع. فالدفاع عن الوطن مسؤولية عظيمة تحتاج إلى أصحاب الفكر والعلم والخبرة، وإلى المثقفين والسياسيين والإعلاميين وأصحاب الأقلام الرصينة الذين يعرفون كيف يخاطبون العقول قبل المشاعر، وكيف يفندون الادعاءات بالحقيقة، ويواجهون الأكاذيب بالوقائع.
أما الذين يندفعون إلى ساحات الجدل دون معرفة أو إدراك، فإن صمتهم في كثير من الأحيان أبلغ من حديثهم، لأن القضية الوطنية أكبر من أن تتحول إلى ساحة للارتجال أو منصة للاستعراض. فالكلمة مسؤولية، ومن لا يحسن حملها قد يسيء إلى الوطن وهو يظن أنه يدافع عنه.
لقد علّمنا التاريخ أن الأوطان لا يحميها الانفعال، بل يحميها الوعي. ولا تصون سمعتها ردود الفعل العابرة، بل يحفظها رجال الدولة وأصحاب الفكر والرأي السديد. والأردن الذي عبر المحن والعواصف طوال عقود، لم يكن يومًا دولة ردود أفعال، بل دولة مؤسسات وحكمة واتزان، يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بحنكة سياسية جعلت من الأردن رقماً صعباً في معادلات المنطقة، وصوتاً مسموعاً في المحافل الدولية.
وإذا كان من حق كل مواطن أن يغضب لوطنه، فإن من واجبه أيضاً أن يدرك أن الدفاع عنه يحتاج إلى بصيرة لا إلى مجرد حماسة. فالمعركة اليوم معركة وعي وإدراك، ومعركة رواية وحقيقة، لا معركة أصوات مرتفعة وشعارات مستهلكة.
سيبقى الأردن، بإذن الله، عصياً على حملات التشويه، لأن قوته ليست في الرد على كل ناعق، بل في ثقة شعبه بقيادته، وفي تماسك جبهته الداخلية، وفي رصيده الكبير من الحكمة والاعتدال والمصداقية. وستبقى الراية الهاشمية خفاقة فوق هذه الأرض الطيبة، مهما تكاثرت الحملات وتعددت الأبواق، لأن الأوطان الراسخة لا تهزها العواصف، ولأن الأردن أكبر من حملاتهم، وأبقى من محاولاتهم، وأقوى من أوهامهم.