أثير الذكريات وصوت الدولة ..
د. محمد المناصير
13-06-2026 11:19 AM
* رحلة في وجدان الإذاعة الأردنية والعربية
* مضافة الوالد.. حيث كان الراديو "كبير السهرة"
تأخذني الذاكرة مباشرة إلى بيت والدي —رحمه الله— الذي كان مختار العشيرة، وكان بيته يضم جهاز الراديو الوحيد في القرية بأكملها. لم يكن مجرد جهازٍ عابر، بل كان ديواناً ثقافياً واجتماعياً مهيباً بحجمه الكبير وغلافه الخشبي الأنيق. كنا نشغله بنظام معقد على بطارية ضخمة تشبه بطارية السيارة، ويمتد منه سلك طويل إلى سطح الدار ليعمل كـ "أنتين" يفصل بين عمودين بعظمات بيضاء صغيرة لتوضيح الصوت وتلقف الإرسال.
في المساء، وتحديداً في ليالي شهر رمضان المبارك، كان سكان القرية والجيران يتقاطرون إلى مضافة الوالد للسهر وسماع الأخبار والبرامج. وما زالت الذكرى الأجمل التي لا تفارق وجداني هي تحلّق أهل القرية حول الراديو وقت الغروب، منتظرين بخشوع تام صوت المذيع وهو يعلن رفع أذان المغرب عبر الأثير ليُفطروا معاً. لقد كان الراديو في بيت المختار هو "كبير المضافة" وسيد السهرة الذي تُضبط عليه ساعات الحياة، ونافذتنا الموثوقة التي صهرت وعينا الجمعي وجمعت قلوبنا على أثير واحد.
الإعلام الذي شارك في ولادة الدولة والأستقلال
المفارقة التاريخية الملهمة أن الإعلام الأردني لم يولد في أحضان الدولة، بل شارك في ولادتها؛ فقد سبقت الصحافة قيام الإمارة عام 1921 حين انطلقت جريدة "الحق يعلو" من معان عام 1920. ومع مأسسة الدولة، وُلدت جريدة "الشرق العربي" عام 1923 لتتحول لاحقاً إلى "الجريدة الرسمية"، تلاها ظهور صحف الحركة الوطنية التي قادت الوعي الشعبي برفض الانتداب، وصولاً إلى تتويج هذا النضال بالاستقلال التام عام 1946.
وفي سنوات الاستقلال الأولى، تميز الخطاب الإعلامي بمحطتين:
• المحطة الأولى (1923): ركزت على "مأسسة الدولة الناشئة"، وشرح القوانين، وتفنيد الشروط البريطانية.
• المحطة الثانية (1946): قفز الخطاب قفزة نوعية نحو "السيادة المطلقة وبناء المملكة الهاشمية"، وتسخير الإعلام كلياً للدفاع عن عروبة فلسطين والقدس ومواكبة تضحيات الجيش العربي في حرب 1948.
إذاعة الشرق الأدنى: صراع الأثير والملحمة الوطنية
قبل انتشار التلفزيون، كان الأردنيون يمتلكون وعياً سياسياً حاداً، يضبطون مؤشرات الراديو في المضافات والمقاهي على موجات الإذاعات الموجهة الكبرى مثل "إذاعة لندن BBC"، و"إذاعة برلين العربية" بصوت يونس بحري، و"إذاعة باري"، و"إذاعة القدس".
ومن رحم هذا الصراع والاستخبارات الدولية، أسست بريطانيا عام 1941 "إذاعة الشرق الأدنى" في مدينة يافا بفلسطين لمواجهة الدعاية النازية وكسب عقول العرب. ورغم أهدافها الاستخبارية، تحولت الإذاعة بفضل الإمكانيات الضخمة واستقطابها لكبار المفكرين والمذيعين والموسيقيين العرب إلى "أكاديمية إعلامية" طورت القوالب البرامجية وعولمت الأغنية العربية.
لكن نهايتها كانت درامية ونبيلة؛ فإبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، رفض الطاقم العربي الإغراءات البريطانية ومحاولات إجبارهم على إدانة مصر، وقدموا استقالة جماعية شجاعة على الهواء مباشرة، مسجلين أروع ملحمة في شرف المهنة وتقديم كرامة الأمة على بريق المال. وكانت هذه الإذاعة حاضنة أولى تخرجت منها قامات أردنية تاريخية صاغت وجدان الدولة لاحقاً، وعلى رأسهم الشهيد وصفي التل، والإعلامي الرمز صلاح أبو زيد.
هنا عمان: ولادة من رحم المعركة وبنادق الجيش
الإذاعة الأردنية الهاشمية لم تبدأ من استوديوهات مريحة، بل وُلدت من رحم المعركة وبنادق الجيش العربي؛ ففي أتون حرب عام 1948، نقل الجنود الأردنيون بالتعاون مع موظفي إذاعة القدس أجهزة البث ببطولية إلى رام الله. وفي عام 1956، جرى تأسيس الإذاعة في عمان في جبل الحسين بقيادة صلاح أبو زيد، لينتقل البث عام 1959 إلى المحطة الكبرى في "أم الحيران" برعاية ملكية من لدن الحسين باني نهضة الأردن.
ورغم الإمكانات الفنية البدائية والشح التقني في البدايات، استعاضت الإذاعة بجيل من الرواد العباقرة وقوة عقولهم وحناجرهم ليرسخوا ثلاث رسائل ملكية مفصلية شكلت الوجدان الأردني:
1. خطاب الملك المؤسس عبد الله الأول: رسّخ قيم الاستقلال والترابط الوثيق مع قضية فلسطين.
2. خطاب الملك الحسين بن طلال (1956): أعلنها "صوت الأردن العربي الهاشمي، صوت الحق والحرية والعروبة".
3. خطاب الملك الحسين (1959): أطلق عبارته الخالدة في أم الحيران: (إن هذه الإذاعة صوت يجمع ولا يفرق، ويد تبني وتذود عن حياض الأمة).
لقد كانت الإذاعة هي "المهندس الفكري" الذي صهر المجتمع بكافة أطيافه في بوتقة "الهوية الوطنية الجامعة"، من خلال مأسسة الوعي، وبث الطمأنينة، وقيادة التنمية في الريف والبادية عبر برامج محو الأمية والإرشادات الصحية والزراعية.
برامج وأصوات حُفرت في الذاكرة الأثيرية
ارتبط وجدان الأردنيين ببرامج كانت بمثابة نبض حياة ومرآة وطن؛ كالبرنامج الصباحي "البث المباشر"، ومسلسل "مضافة أبو محمود" بروحها الريفية الأصيلة، وبرنامج "مضافة أبو العارف"، والبرنامج العسكري "جيشنا العربي"، والبرامج الإنسانية والثقافية مثل "معكم على الهواء" و"رحلة زورق".
أما علاقة الناس العاطفية بالراديو فقد تجسدت في لحظات الانتظار الواجفة لسماع سلام أو رسالة تطمئنهم على مغترب في برنامج "رسائل شوق" لكوثر النشاشيبي أو برنامج "مع المغتربين".
وقد صنعت هذه الحقبة نجوماً فوق العادة تميزوا بالموسوعية، والتمكن اللغوي الصارم، والصدق والدفء الإنساني؛ فصارت أسماء مثل صلاح أبو زيد، حيدر محمود، شريف العلمي، إبراهيم الذهبي، عائشة التيجاني، هند أبو الشعر، ورافع شاهين رموزاً وطنية ملهمة. ولن ينسى الأردنيون صوت الحاج مازن القبج وهو يبعث الدفء والأمل مع إشراقة كل صباح في برنامج "مع المزارع"، أو النبرة النورانية الرصينة للشيخ إبراهيم زيد الكيلاني في برنامج "هدي القرآن الكريم".
خندق الكلمة وسلاح الدولة في المنعطفات التاريخية
في المراحل المفصلية، كانت الإذاعة "صوت الدولة" المعبّر عن سيادتها وجودها، وصمام الأمان لحماية الجبهة الداخلية؛ فكانت هي من زفّ قرار تعريب قيادة الجيش عام 1956، وكانت "نبض الخنادق" وبوصلة الحقيقة في حرب الكرامة عام 1968 عبر البلاغات العسكرية والأناشيد الحماسية التي كانت تحرك الحجر قبل البشر.
لقد أدركت الحكومات مبكراً أن من يسيطر على موجات الراديو يسيطر على بوصلة الرأي العام، فتعاملت مع الأثير كسلاح للدفاع عن الأمن القومي في وجه البروباغندا الخارجية العاصفة بالمنطقة.
إعلام الأمس وإعلام اليوم.. تحدي الهوية والذاكرة
بين إعلام الأمس الذي قام على "الرسالة، والنخبة، والفلترة الصارمة" وبناء قادة الرأي، وإعلام اليوم القائم على "المنصة، والسرعة، والتدفق بلا حواجز" أو (التريند)، تجد الإذاعة نفسها في جغرافيا جديدة. فرغم المكاسب الرقمية، خسر الإعلام الحديث الهيبة الناتجة عن التدقيق، والعمق الوجداني، والرسالة الوطنية الجامعة التي صهرت وعي ابن القرية والباد والمدينة في نفس اللحظة. ورغم ذلك، لم تستسلم الإذاعة، بل تحولت إلى سيدة الطريق عبر مركباتنا، واندمجت رقمياً في عالم "البودكاست" والمنصات التفاعلية كملاد آمن للمصداقية والدفء الإنساني في زمن تزييف الحقائق بالذكاء الاصطناعي.
إن الاستقلال في مسيرة الإعلام الأردني يعني السيادة الفكرية وبناء سردية وطنية متماسكة تحت مظلة المواطنة والولاء للقيادة الهاشمية. ورسالتنا اليوم للشباب الإعلاميين: "امتلكوا أدوات العصر، ولكن تمسكوا برصانة وأمانة الكلمة؛ فقوة الإعلامي لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بحجم الأثر الحقيقي والمصداقية".
وحتى لا يغطي الغبار هذه الذاكرة العريقة، يجب أن ننتقل من "عاطفة التذكر" إلى "مأسسة الحماية وفعل الرقمنة" الشاملة للأرشيف القديم، وإدراج تاريخ روادنا في المناهج التعليمية، وإعادة إنتاج هذا الإرث بلسان العصر وبصرياته، لتظل تلك الأصوات والنبرات التي صنعت وجداننا الأردني الأصيل هي الملهم والموجه للأجيال القادمة..