من هرمز إلى الاقتصاد الأردني: كيف نحول استقرار الطاقة والغذاء إلى فرصة نمو؟
د. حمد الكساسبة
13-06-2026 05:06 PM
تشير آخر التطورات إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بما قد يفتح الباب أمام تهدئة أوسع في المنطقة وعودة أكثر استقرارًا لحركة النفط والغاز عبر مضيق هرمز. وإذا تحقق ذلك، فإن الأثر لن يبقى سياسيًا أو أمنيًا فقط، بل سيمتد إلى أسواق الطاقة والغذاء والتجارة العالمية. فاستقرار هذا الممر الحيوي يمكن أن يخفف المخاوف في الأسواق، ويقلل كلف الشحن والتأمين، ويدفع أسعار النفط والغاز نحو الانخفاض أو الاستقرار عند مستويات أكثر قابلية للتوقع.
أهمية هذا التحول أن الطاقة تدخل في معظم حلقات الاقتصاد. فالنفط والغاز لا يؤثران في أسعار الوقود وحدها، بل في النقل، والصناعة، والزراعة، والتخزين، وإنتاج الأسمدة، وحركة التجارة الدولية. لذلك فإن أي هدوء في أسواق الطاقة يمكن أن ينعكس تدريجيًا على كلف الغذاء والإنتاج عالميًا، ويمنح الاقتصاد الدولي فرصة لالتقاط أنفاسه بعد موجة من الضغوط التي رفعت كلف المعيشة والإنتاج في دول كثيرة.
لكن السؤال الأهم ليس ماذا سيحدث في الأسواق العالمية فقط، بل كيف ستتعامل الدول مع هذا التحول. فاستقرار الطاقة والغذاء قد يخفف التضخم، ويحسن ثقة المستثمرين، ويمنح الشركات قدرة أفضل على التخطيط. وقد يفتح المجال لاحقًا أمام تخفيف كلف التمويل إذا تراجعت الضغوط على الأسعار. غير أن الاستفادة من هذا الانفراج لن تكون تلقائية؛ فالدول التي تمتلك خططًا واضحة وتتحرك بسرعة هي التي تستطيع تحويل انخفاض الكلف إلى نمو وفرص عمل.
وبالنسبة للأردن، فإن أثر تقلبات الطاقة والغذاء العالمية كان واضحًا بحكم طبيعة الاقتصاد الأردني واعتماده الكبير على الاستيراد في الطاقة وعدد من السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج. لذلك لم تكن الضغوط التي شعر بها المواطن والقطاع الخاص ناتجة عن أسباب محلية فقط، بل جاءت في جزء كبير منها من ارتفاعات عالمية في النفط والغاز والغذاء والشحن. وقد تعاملت الدولة مع هذه المرحلة ضمن هوامش محدودة، وبما يراعي الحفاظ على الاستقرار وتوفر السلع الأساسية وتخفيف أثر الصدمات قدر الإمكان.
ومن هنا، فإن الانتقال من مرحلة الارتفاع إلى مرحلة الاستقرار يفتح أمام الأردن فرصة مختلفة. المطلوب اليوم ليس انتظار انخفاض الأسعار فقط، بل ضمان أن يتحول هذا الانخفاض إلى أثر داخلي ملموس. فإذا تراجعت كلف الطاقة والغذاء والشحن، ينبغي أن ينعكس ذلك على كلف النقل والإنتاج، وعلى أسعار بعض السلع، وعلى القدرة الشرائية للمواطن. كما أن تراجع فاتورة الاستيراد قد يخفف الضغط على الميزان التجاري، ويقلل جزءًا من التضخم المستورد، ويمنح الاقتصاد مساحة أوسع للحركة.
غير أن انتقال هذا الأثر إلى الداخل يحتاج إلى رؤية واضحة ومتابعة مؤسسية دقيقة. ففي كثير من الأحيان ترتفع الأسعار المحلية بسرعة عندما ترتفع عالميًا، لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما تتراجع عالميًا. لذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى متابعة دقيقة للأسواق، وتشجيع المنافسة، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، حتى يشعر المواطن والمنتج بأثر الاستقرار العالمي. فالغاية ليست أن تتحسن الأرقام في الأسواق الدولية فقط، بل أن ينعكس ذلك على فاتورة الغذاء، والطاقة، والنقل، ومدخلات الإنتاج داخل الأردن.
والأهم أن لا يبقى انخفاض الكلف مجرد فرصة استهلاكية مؤقتة، بل أن يتحول إلى مكسب إنتاجي وتنافسي. فالصناعة والزراعة والخدمات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تستفيد من انخفاض كلف التشغيل والنقل والتمويل، لكن الأثر الحقيقي يتحقق عندما يقود ذلك إلى زيادة الإنتاج، وتحسين الجودة، وتعزيز قدرة المنتجات الأردنية على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية. وهذا يتطلب تمويلًا ميسرًا، وإجراءات أسرع، وتشريعات مستقرة.
كما يمكن لقطاع المقاولات أن يكون من أبرز المستفيدين من هذا التحول. فالبناء يتأثر بالوقود، والنقل، وتشغيل الآليات، والمواد المستوردة، والتمويل البنكي. وإذا استقرت هذه الكلف أو انخفضت، فقد يتحسن الطلب على الإسكان والمشاريع التجارية والبنية التحتية. لكن تحويل ذلك إلى نشاط حقيقي يحتاج إلى تسريع التراخيص، وتحريك المشاريع العامة، وتوجيه التمويل نحو المشاريع القادرة على خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
ولا يقل ملف جذب الاستثمار والمشاريع الكبرى أهمية عن ملف الأسعار. فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، وكلف واضحة، وسلاسل إمداد آمنة، وقوانين يمكن توقعها. وإذا تراجعت مخاطر الطاقة والشحن عالميًا، يستطيع الأردن أن يعزز موقعه كدولة آمنة للاستثمار في المياه، والطاقة، والنقل، والصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية. كما أن لحظة الاستقرار العالمي يجب أن تُستغل لتسريع المشاريع الكبرى الجاهزة، لأنها قادرة على تحريك النمو وخفض كلف الاقتصاد على المدى الطويل.
الخلاصة أن فتح مضيق هرمز واستقرار تجارة النفط والغاز قد يفتحان بابًا لانفراج عالمي في أسعار الطاقة والغذاء، لكن القيمة الحقيقية بالنسبة للأردن تكمن في حسن استثمار هذه الفرصة. فقد واجه الأردن مرحلة ارتفاع الأسعار ضمن ظروف صعبة وهوامش محدودة، أما مرحلة الاستقرار فتحتاج إلى تحويل انخفاض الكلف العالمية إلى فائدة داخلية. عندها فقط يتحول فتح المضيق من خبر عالمي إلى فرصة أردنية للنمو والتشغيل وتحسين مستوى المعيشة.