facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مجالس الأمناء: بوابة النهوض الحقيقي بالتعليم العالي


أ.د احمد منصور الخصاونة
06-06-2026 06:44 PM

لم يعد التعليم العالي اليوم ترفًا فكريًا أو شعارًا إعلاميًا، بل أصبح ضرورة وطنية تمس مستقبل الأجيال، وسمعة الجامعات، وجودة الخريجين، ومكانة الدولة العلمية والاقتصادية. وأي حديث جاد عن إصلاح الجامعات لا يمكن أن يتجاوز ملفًا بالغ الحساسية والخطورة، وهو تشكيل مجالس الأمناء وآلية اختيارها.

ففي كثير من الأحيان، تتحول بعض مجالس الأمناء إلى امتداد مباشر لهيئات المديرين أو المساهمين أو أصحاب رأس المال، بدل أن تكون جهة رقابية أكاديمية مستقلة تحمي الجامعة ورسالتها العلمية. وهنا تكمن المشكلة الجوهرية؛ لأن الجامعة ليست مشروعًا تجاريًا بحتًا، وليست شركة هدفها تحقيق الربح السريع، بل مؤسسة علمية وطنية تُبنى فيها العقول قبل الأبنية.

إن وجود أصحاب المال أو المساهمين أو أقاربهم داخل مجالس الأمناء يخلق — في كثير من الحالات — تضارب مصالح واضحًا، ويجعل القرارات الأكاديمية والإدارية خاضعة لحسابات الربح والخسارة، لا لمعايير الجودة والبحث العلمي والتطوير المؤسسي. وعندما تصبح الجامعة رهينة التفكير التجاري الضيق، تبدأ مظاهر التراجع بالظهور تدريجيًا ضعف البنية التحتية، تراجع البحث العلمي، تقليص الإنفاق الأكاديمي، التركيز على التخصصات الربحية فقط، وزيادة أعداد الطلبة على حساب الجودة.

وفي بعض الحالات — إلا ما ندر — يصبح الهم الأساسي هو تحقيق العائد المالي السريع، وكأن الجامعة تحولت إلى “بازار” لبيع الشهادات، لا صرح أكاديمي يصنع المعرفة ويؤسس للنهضة.

ومن هنا، فإن أي مشروع حقيقي لإصلاح التعليم العالي يجب أن يبدأ من إعادة هيكلة مجالس الأمناء بصورة جذرية، تقوم على مبدأ الاستقلال الكامل عن أصحاب المصالح المالية المباشرة.

إن النموذج الأكثر قدرة على حماية الجامعات هو أن يتم تحييد كل من له علاقة مالية مباشرة بالجامعة، وخصوصًا المساهمين، أعضاء هيئة المديرين، أقاربهم، وأصحاب المصالح المرتبطة بالقرارات المالية والإدارية.

وإذا أردنا فعلًا إعادة الجامعات إلى مسارها الطبيعي، فإن اختيار مجالس الأمناء يجب أن يتم من خلال جهة وطنية محايدة، وأن تكون الحكومة صاحبة الدور الأساسي في تشكيل هذه المجالس، بما في ذلك اختيار رئيس مجلس الأمناء، وفق معايير الكفاءة، النزاهة، الخبرة الأكاديمية، والخبرة الإدارية الحقيقية.

أما النموذج القائم على أن تقوم هيئة المديرين باختيار ثلاثة أعضاء منها، وثلاثة من “أصحاب الخبرة”، وثلاثة من قطاع الصناعة، فإنه غالبًا ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم، وتحويل مجلس الأمناء إلى نسخة مكررة من هيئة المديرين، مما يفقده استقلاليته ودوره الرقابي الحقيقي.

فالمشكلة ليست في الأشخاص فقط، بل في الفكرة ذاتها؛ إذ لا يمكن لجهة أن تراقب نفسها بنفسها، ولا يمكن لمجلس يُشكَّل بصورة غير مستقلة أن يقوم بدوره الحقيقي في المحاسبة والتقييم وحماية المسار الأكاديمي.

ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، لا يجوز التعميم؛ فهناك هيئات مديرين وطنية ومحترمة قدّمت نماذج ناجحة جدًا، واستثمرت فعلًا في جامعاتها، وطورت البنية التحتية، ورفعت مستوى التعليم والبحث العلمي، وسعت لبناء مؤسسات أكاديمية منافسة محليًا وإقليميًا. وهذه النماذج تستحق التقدير والاحترام.

لكن التشريعات لا تُبنى على الاستثناءات، وإنما على ضمانات تحمي المؤسسة حتى في أسوأ الظروف، وتمنع تغليب المصالح المالية على الرسالة التعليمية.

إن الجامعة القوية لا تُبنى بالمال وحده، بل تُبنى بالإدارة المستقلة، والقرار الأكاديمي الحر، والمحاسبة الحقيقية، والرقابة المؤسسية، والقيادات المؤهلة.

وحين تصبح مجالس الأمناء مستقلة فعلًا، ستعود الجامعات إلى دورها الطبيعي مصانع للعقول، لا أسواقًا للشهادات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :