العنف المجتمعي والسوشال ميديا .. هل من علاقة؟
د. جهاد يونس القديمات
14-06-2026 01:09 PM
يكمن الدافع وراء كتابة هذا المقال هو الارتفاع الملحوظ في مظاهر العنف المجتمعي خلال السنوات الاخيرة، وما يصاحبه من تزايد في حالات التوتر الاجتماعي واتساع رقعة الخلافات بوتيرة سريعة، الامر الذي يطرح تساؤلات جدية حول الاسباب التي تقف خلف هذا التصاعد في الاردن، وحول طبيعة العلاقة بين السلوك المجتمعي التقليدي من جهة، وبين ما تنتجه السوشال ميديا من تفاعل سريع ومكثف ربما يساهم في تضخيم الاحداث او دفعها نحو مستويات اعلى من الانفعال والتأثير.
لم تعد السوشال ميديا مجرد وسيلة للتواصل او تبادل الاخبار والصور والاراء، بل اصبحت خلال السنوات الاخيرة جزءا مؤثرا في تشكيل الوعي والسلوك الاجتماعي، ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وسهولة الوصول الى المنصات الرقمية اصبح الفرد يعيش داخل فضاء مفتوح ومستمر التأثير، تتدفق فيه المعلومات والمقاطع والانفعالات بشكل متواصل، دفعنا ذلك الى التساؤل حول العلاقة بين السوشال ميديا والعنف المجتمعي تساؤلا واقعيا مرتبطا بتغيرات الحياة اليومية.
عند النظر الى الواقع الاردني يمكن ملاحظة ان العنف المجتمعي لم يعد محصورا في الاشكال التقليدية مثل المشاجرات المباشرة او الخلافات الفردية، بل امتد ايضا الى العالم الافتراضي، حيث ظهرت اشكال مثل التنمر الرقمي وخطاب الكراهية والتحريض ونشر الشائعات، وهي ممارسات تساهم في خلق توتر اجتماعي قد ينتقل من العالم الإلكتروني الى الواقعي، خصوصا عندما يتم تضخيم الخلافات البسيطة وتحويلها الى قضايا عامة عبر الانتشار السريع على المنصات.
تشير بعض الارقام الرسمية الى حجم التحدي الاجتماعي المرتبط بالعنف، حيث تم تسجيل اكثر من 51 الف حالة عنف اسري خلال عام 2025 في الاردن بحسب الجهات المختصة، وهي ارقام تعكس وجود ضغوط اجتماعية ونفسية داخل الاسر، كما تم تسجيل اكثر من 23 الف جريمة خلال نفس الفترة، وهو ما يدل على ان العنف ليس حالات فردية منفصلة بل ظاهرة اجتماعية لها اسباب متعددة ومتشابكة.
في نفس السياق، تشير تقارير محلية الى تسجيل حالات قتل مرتبطة بخلافات اسرية، حيث تم رصد حوالي 17 حالة خلال عام واحد، وهو رقم يعكس خطورة بعض اشكال العنف عندما تنتقل من خلاف بسيط الى نتائج حادة، وهنا يبرز السؤال حول دور السوشال ميديا، هل هو دور مباشر ام مجرد عامل يزيد من سرعة انتشار وتضخيم هذه الاحدا؟.
من اهم الجوانب المرتبطة بهذه العلاقة طبيعة المحتوى المتداول، حيث تنتشر مقاطع المشاجرات والاعتداءات بشكل واسع وسريع، ويتم التعامل معها احيانا كمحتوى عادي او مثير للجدل، ومع التكرار المستمر لمثل هذه المشاهد تقل حساسية المجتمع تجاه العنف، ويصبح جزء من السلوك العدواني اكثر اعتيادا، خاصة لدى فئة الشباب التي تشكل النسبة الاكبر من مستخدمي هذه المنصات، وكما ان لغة النقاش داخل السوشال ميديا تعكس جانبا اخر من المشكلة، حيث تنتشر الاساءة اللفظية والتجريح والتعميم والتحريض، في بيئة تسمح بردود فعل سريعة وغير مدروسة، وهذا ينعكس تدريجيا على طريقة التفكير والتعامل داخل المجتمع، ويزيد من حدة التوتر في العلاقات الاجتماعية اليومية.
لا يمكن تجاهل دور الخوارزميات في هذا السياق، حيث تعمل المنصات على رفع المحتوى الاكثر تفاعلا، وغالبا ما يكون المحتوى المثير للغضب او الجدل او الصدمة هو الاكثر انتشارا، وهذا يؤدي الى خلق بيئة رقمية مشحونة بشكل دائم، تزيد من الانفعال وتقلل من مساحة الحوار الهادئ.
في الاردن، يمكن ملاحظة كيف تتحول بعض الاحداث المحلية الى قضايا عامة خلال وقت قصير، سواء كانت مشاجرات جامعية او خلافات عائلية او حوادث فردية؟، بحيث يتم تداول المعلومات بسرعة كبيرة، واحيانا قبل التحقق من صحتها، مما يؤدي الى تضخيم الحدث وخلق حالة من الغضب الجماعي، وهذا يعكس خطورة الشائعات الرقمية في تشكيل الرأي العام.
كما ان العوامل الاقتصادية والاجتماعية تلعب دورا مهما، فارتفاع البطالة او الضغوط المعيشية او ضعف الفرص قد يجعل بعض الفئات اكثر عرضة للتفاعل الانفعالي مع المحتوى الرقمي، خاصة مع قضاء وقت طويل على المنصات دون نشاطات بديلة، مما يعزز الشعور بالفراغ ويزيد من التأثر بالمحتوى السلبي. من جانب اخر، يلعب بعض المؤثرين وصناع المحتوى دورا في هذا المشهد، حيث يسعى البعض الى جذب المتابعين من خلال المحتوى الصادم او المثير للجدل، او عبر تضخيم الخلافات، وهذا يساهم في ترسيخ ثقافة الانفعال بدل ثقافة الحوار، ويجعل الصدام وسيلة للانتشار السريع.
مع ذلك، لا يمكن اعتبار السوشال ميديا السبب الوحيد للعنف المجتمعي، فهي ليست مصدره المباشر، بل جزء من منظومة اكبر تشمل الاسرة والتعليم والاقتصاد والقيم الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تسريع بعض الظواهر وتوسيع نطاقها ونقلها من مستوى محدود الى مستوى عام خلال وقت قصير، في المقابل يمكن ان تكون السوشال ميديا اداة ايجابية اذا تم استخدامها بوعي، فهي قادرة على نشر ثقافة التسامح وتعزيز الوعي القانوني ودعم الحوار المجتمعي، والتوعية بمخاطر التنمر وخطاب الكراهية، مما يجعلها اداة ذات تأثير مزدوج يعتمد على طريقة الاستخدام.
لذلك فان فهم العلاقة بين السوشال ميديا والعنف المجتمعي في الاردن يحتاج الى رؤية شاملة، لا تقتصر على الجانب الامني او القانوني فقط، بل تشمل ايضا التربية الرقمية ودور الاسرة والتعليم والاعلام، بهدف بناء وعي قادر على التعامل مع المحتوى الرقمي بشكل مسؤول ومتوازن.
في النهاية يمكن القول ان العلاقة بين العنف المجتمعي والسوشال ميديا هي علاقة تداخل وتاثير متبادل، فالمجتمع يعكس جزءا من نفسه داخل العالم الافتراضي، وفي الوقت نفسه يعيد هذا الفضاء تشكيل بعض ملامح السلوك الاجتماعي، وكلما ارتفع مستوى الوعي الرقمي تقلصت مساحة العنف، وكلما ضعف هذا الوعي اتسعت دائرة الانفعال والتوتر داخل المجتمع.