الحرب التي كان يُفترض أن تعزل إيران قد تجعلها شريكاً في رسم الشرق الأوسط
سمير حمدان - بودابست
15-06-2026 12:19 PM
قد تكون الحرب التي استهدفت احتواء إيران قد أطلقت ديناميكية سياسية معاكسة للأهداف التي انطلقت من أجلها، ففي الوقت الذي تستعد فيه واشنطن وطهران للتوصل إلى اتفاق جنيف المرتقب، لا يبدو ما يجري مجرد تسوية لملف نووي أو أمني، بل مؤشراً إلى تحول أوسع في طريقة إدارة التوازنات داخل الشرق الأوسط، فالقضية لم تعد تتعلق فقط بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل بمكانة إيران نفسها داخل النظام الإقليمي الذي يتشكل بعد سنوات من الصراع المفتوح .
على مدى أكثر من عقدين قامت الاستراتيجية الإسرائيلية، مدعومة بمقاربة غربية واسعة، على فرضية أساسية مفادها أن احتواء إيران يتطلب إبقاءها داخل دائرة العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية معترف بها، وكان الهدف تقليص نفوذها وإضعاف قدرتها على التأثير في محيطها، لا إدماجها في أي ترتيبات إقليمية طويلة الأمد .
لكن التجارب الدولية تشير إلى أن الحروب لا تنتهي دائماً بالنتائج التي سعت إليها الأطراف التي أطلقتها، فالتوازنات السياسية تُصاغ عادة عند طاولات التفاوض أكثر مما تُحسم في الميدان، ومن هذه الزاوية تبدو إيران اليوم أقل شبهاً بدولة تفاوض على شروط تراجعها، وأكثر شبهاً بطرف يفاوض على موقعه في مرحلة إقليمية جديدة .
ما يتغير في جنيف لا يقتصر على موقع إيران، بل يشمل المقاربة الأمريكية نفسها، فالانتقال من محاولة عزل طهران إلى محاولة تنظيم العلاقة معها يعكس تحولاً مهماً في تعريف المشكلة، فالعزل يفترض إمكانية إخراج الخصم من المعادلة، بينما يفترض التنظيم أن هذا الخصم أصبح جزءاً من الواقع الإقليمي وأن تجاهله لم يعد خياراً عملياً، ولهذا لم يعد السؤال الرئيسي لماذا تفاوضت واشنطن مع إيران، بل لماذا أصبحت سياسة العزل أقل فاعلية وأكثر كلفة من التفاهم المشروط .
ويشكل الاقتصاد العالمي أحد أهم عناصر هذا التحول، فإيران ليست مجرد ملف أمني، بل دولة ترتبط بأحد أكثر الممرات الحيوية للطاقة في العالم، وأي اضطراب واسع في البيئة المحيطة بها ينعكس مباشرة على أسعار النفط والتأمين والشحن والتضخم، وعندما تصبح كلفة تجاهل دولة أعلى من كلفة إدماجها ضمن ترتيبات يمكن ضبطها، يتغير موقعها السياسي تلقائياً حتى لو بقيت تواجه ضغوطاً وعقوبات ومشكلات داخلية .
لكن أهمية جنيف لا تكمن في بنوده الفنية بقدر ما تكمن في ما يكشفه عن طبيعة الشرق الأوسط المقبل، فمنذ نهاية الحرب الباردة عاشت المنطقة في ظل منطق يقوم على إدارة الأزمات وتأجيل الحلول ومنع الخصوم من تحقيق مكاسب حاسمة، أما اليوم فتظهر مؤشرات على انتقال تدريجي نحو إدارة التوازن بين قوى متنافسة تدرك أن الإقصاء الكامل لم يعد ممكناً .
في هذا السياق لا تبدو إيران قوة مهيمنة قادرة على فرض إرادتها على المنطقة، كما أنها ليست دولة يمكن إخراجها من المعادلة، فهي ما زالت تواجه تحديات اقتصادية وسياسية ومنافسة إقليمية حادة، لكنها انتقلت من موقع الدولة المطلوب تطويقها إلى موقع الدولة التي يصبح تجاهلها مكلفاً، وهذه النقلة قد تكون أهم من أي مكسب تكتيكي أو عسكري تحقق خلال سنوات المواجهة .
ومع ذلك لا يأتي هذا التحول بلا مقابل، فإذا انتهت التفاهمات الجديدة إلى فرض قيود طويلة الأمد على التخصيب وإبعاد خيار التحول إلى قوة نووية عسكرية، فإن طهران تكون قد تخلت عن أحد أكثر عناصر قوتها حساسية، غير أن ما قد تحصل عليه في المقابل هو تثبيت موقعها لاعباً لا يمكن استبعاده من ترتيبات الأمن الإقليمي .
أما الاختبار الحقيقي بعد جنيف فلن يكون في عدد أجهزة الطرد المركزي أو حجم المخزون النووي، بل في طبيعة النظام الذي سيخرج من هذه التسوية، فإذا انتقلت إيران من الاستثمار في قوة ردع محتملة إلى الاستثمار في نفوذ سياسي معترف به، فإن المفارقة ستكون واضحة، الحرب التي كان يُفترض أن تعزل إيران قد تكون هي نفسها التي دفعت المنطقة إلى التعامل معها بوصفها جزءاً من التوازن الذي يسعى الشرق الأوسط الجديد إلى بنائه .