facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إعادة رسم النظام الصحي: من تعدد المرجعيات إلى مجلس يقود التخطيط


أ.د. زيد الحمدان
15-06-2026 01:54 PM

لم تعد أزمة الأنظمة الصحية تُقاس فقط بعدد الأسرة أو نقص الكوادر أو كلفة الدواء، بل أصبحت تُقاس قبل ذلك بسؤال أكثر عمقًا: من يخطط؟ ومن يحدد الأولويات؟ ومن يملك الصورة الكاملة للنظام الصحي؟ في الأردن، حيث يتوزع تقديم الخدمة بين وزارة الصحة، والخدمات الطبية الملكية، والمستشفيات الجامعية، والقطاع الخاص، والمؤسسات الدولية والخيرية، لم يعد كافيًا أن تعمل كل جهة ضمن حدودها التقليدية. المطلوب اليوم ليس إصلاحًا جزئيًا، بل إعادة رسم بنية الحوكمة الصحية من نقطة البداية: التخطيط.

إن إعادة هيكلة النظام الصحي يجب أن تبدأ من توحيد المرجعية الوطنية للتخطيط، لا من زيادة عدد اللجان ولا من إنشاء أجسام جديدة متوازية. والمنطق المؤسسي السليم يقول إن المجلس الصحي العالي هو الجهة الطبيعية التي يجب أن تكون المظلة الوطنية العليا لتخطيط النظام الصحي، وتحديد أولوياته، وتنسيق أدوار مؤسساته. فالمجلس، بحكم فلسفة إنشائه، ليس مقدم خدمة، وليس نقابة، وليس جهة تنفيذية يومية، بل هو العقل التخطيطي الذي يفترض أن يرى النظام بكامله، وأن يوازن بين الحاجة الصحية، والعدالة في توزيع الخدمات، وكفاءة الإنفاق، وتوفر الكوادر، وجودة الرعاية.

لكن لكي ينجح هذا الدور، لا بد من الانتقال من مجلس تنسيقي محدود التأثير إلى مجلس وطني فاعل يمتلك الأدوات والبيانات والصلاحيات. وهذا يعني دمج أو ربط جميع المجالس والهيئات ذات العلاقة بالتخطيط الصحي ضمن مظلته، بحيث تصبح السياسات الصحية، وسياسات القوى البشرية، والتدريب، والبحث العلمي، وترخيص المهن والمؤسسات، والاستجابة الوبائية، جزءًا من منظومة واحدة لا تعمل في جزر منفصلة.

في هذا السياق، يمكن التفكير في تحويل مجلس التمريض الأردني، والمجلس الطبي الأردني، والمركز الوطني لمكافحة الأوبئة والأمراض السارية، إلى مديريات أو مجالس فنية متخصصة داخل إطار المجلس الصحي العالي. ولا يعني ذلك إلغاء الخبرة المتراكمة لهذه المؤسسات أو تذويب هويتها العلمية، بل إعادة تنظيمها ضمن حوكمة وطنية موحدة. فمجلس التمريض يمكن أن يصبح ذراعًا وطنيًا لتنظيم مهن التمريض والقبالة وتخطيط القوى التمريضية، والمجلس الطبي يمكن أن يكون الذراع الوطني لتنظيم التدريب الطبي والاختصاصات والبورد الأردني، أما مركز الأوبئة فيمكن أن يتحول إلى مديرية وطنية للأمن الصحي والترصد والاستعداد للطوارئ، مع الحفاظ على استقلاله العلمي وقدرته السريعة على الاستجابة.

ومن الخطوات الجوهرية كذلك نقل دائرة ترخيص المهن والمؤسسات الصحية من وزارة الصحة إلى المجلس الصحي العالي. فالوزارة، بصفتها مقدمًا رئيسيًا للخدمة، لا ينبغي أن تبقى وحدها الجهة المنظمة والمرخصة والمخططة في الوقت نفسه. الفصل بين تقديم الخدمة وتنظيمها هو مبدأ مهم في الحوكمة الحديثة، لأنه يقلل تضارب المصالح، ويجعل الترخيص وإعادة الترخيص والتطوير المهني المستمر مبنيًا على معايير وطنية موحدة تطبق على القطاع العام والخاص، والجامعي والعسكري بعدالة وشفافية.

وينطبق الأمر ذاته على مديرية التدريب والأبحاث في وزارة الصحة. فالتدريب الصحي لا يجب أن يكون نشاطًا إداريًا منفصلًا داخل مؤسسة واحدة، بل يجب أن يرتبط بخطة وطنية للقوى البشرية الصحية. ما عدد الأطباء الذين يحتاجهم الأردن في طب الأسرة والطوارئ والتخدير؟ ما حجم الفجوة في التمريض المتخصص؟ ما الاحتياجات المستقبلية في الصحة النفسية، والرعاية الأولية، وصحة المسنين، والصحة الرقمية؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها مؤسسة واحدة بمفردها، بل تحتاج إلى مرصد وطني للموارد البشرية الصحية يعمل تحت مظلة المجلس الصحي العالي ويستند إلى بيانات دقيقة ومحدثة.

كما أن نقل قسم التخطيط من وزارة الصحة إلى المجلس الصحي العالي سيمنح التخطيط بعدًا وطنيًا شاملًا. فالتخطيط الصحي لا يخص وزارة الصحة وحدها؛ لأنه يتعلق بكل من يقدم الخدمة أو يمولها أو ينظمها أو يستخدمها. لذلك يجب أن يمتلك المجلس وحدة قوية للمعلومات الصحية والتحليل الاقتصادي، قادرة على جمع البيانات من جميع القطاعات: وزارة الصحة، الخدمات الطبية الملكية، المستشفيات الجامعية، القطاع الخاص، شركات التأمين، نقابات المهن الصحية، الجامعات، المركز الوطني للأوبئة، مؤسسة الغذاء والدواء، والأنظمة الرقمية الصحية. دون بيانات موحدة، تبقى الأولويات انطباعية، وتبقى القرارات رهينة الضغط اللحظي بدل التخطيط الاستراتيجي.

أما النقابات المهنية، فيجب إعادة تعريف دورها في المنظومة الجديدة دون إضعافها. فالنقابات يجب أن تبقى صوتًا مهنيًا وحقوقيًا مهمًا يدافع عن منتسبيها، ويساهم في تطوير المهنة، ويحمي كرامة العاملين. لكن بعض الوظائف التنظيمية ذات الصلة بمعايير الممارسة، وإعادة الترخيص، والتطوير المهني المستمر، ومساءلة الجودة، ينبغي أن تكون ضمن إطار وطني مستقل يضع المصلحة العامة وسلامة المريض فوق أي اعتبار فئوي. العلاقة هنا ليست علاقة إقصاء، بل علاقة فصل صحي بين التمثيل النقابي والتنظيم العام للمهنة.

إن المجلس الصحي العالي، في صورته الجديدة، يجب أن يضم كل القطاعات المعنية بالصحة: وزارة الصحة، وزارة المالية، وزارة التخطيط، وزارة التعليم العالي، وزارة التنمية الاجتماعية، وزارة العمل، الخدمات الطبية الملكية، المستشفيات الجامعية، القطاع الخاص، مؤسسة الغذاء والدواء، مجلس اعتماد المؤسسات الصحية، النقابات الصحية، الجامعات، ممثلي المرضى، المجتمع المدني، وشركات التأمين والجهات ذات العلاقة بالحماية الاجتماعية. فالسياسة الصحية لا تُصنع من داخل قطاع واحد؛ بل هي قرار وطني متعدد القطاعات، يتداخل فيه التعليم، والاقتصاد، والبيئة، والعمل، والحماية الاجتماعية، والأمن الصحي.

هذا النموذج ليس غريبًا على التجارب الدولية. ففي سنغافورة، تحتفظ وزارة الصحة بدور مركزي في تنظيم النظام الصحي، بينما تعمل المجالس المهنية المتخصصة ضمن إطار تنظيمي واضح لإدارة تسجيل المهنيين ومعايير الممارسة. وفي إنجلترا، ورغم تعدد الجهات، هناك فصل واضح بين مقدمي الخدمة، والجهات المنظمة لجودة الرعاية، والهيئات المهنية التي تنظم الأطباء والممرضين والمهن الصحية.

الدرس المستفاد من هذه التجارب ليس بالضرورة نسخ نموذج دولة أخرى، بل تبني المبدأ الأهم: وضوح الأدوار، وحدة البيانات، استقلالية التنظيم، والمساءلة العامة.

وفي دول أخرى ذات أنظمة أكثر نضجًا، أظهرت الحوكمة الصحية الناجحة أن وجود رؤية وطنية موحدة، وأدوار محددة، ومؤشرات أداء مشتركة، وآليات مساءلة عابرة للمؤسسات، يساعد على رفع جودة الرعاية وتقليل الازدواجية وتحسين الاستجابة للأزمات. الأردن، بما يمتلكه من كفاءات طبية وتمريضية ومؤسسات تعليمية وصحية عريقة، لا ينقصه المورد البشري ولا الخبرة؛ ما ينقصه هو بنية حوكمة تجعل هذه الموارد تعمل ضمن اتجاه واحد.

ولكي لا تتحول إعادة الهيكلة إلى مجرد نقل صناديق إدارية من مؤسسة إلى أخرى، يجب تنفيذها على مراحل. تبدأ المرحلة الأولى بمراجعة تشريعية شاملة لقوانين المجلس الصحي العالي، والمجلس الطبي، ومجلس التمريض، والصحة العامة، والنقابات، والمركز الوطني للأوبئة. ثم تأتي مرحلة تصميم الهيكل الجديد، وتحديد ما سينقل فعليًا إلى المجلس، وما سيبقى مستقلًا، وما سيعاد تنظيمه وظيفيًا.

بعد ذلك، يجب وضع خطة انتقالية واضحة لمدة لا تقل عن 18 إلى 24 شهرًا، مع ضمان عدم تعطيل الترخيص، أو التدريب، أو الاستجابة الوبائية، أو الخدمات اليومية للمواطنين.

الأهم من ذلك أن تكون إعادة الهيكلة مبنية على مبدأ لا على صراع صلاحيات. الهدف ليس إضعاف وزارة الصحة، بل تحريرها من تضارب الأدوار وتمكينها من التركيز على تقديم الخدمة والصحة العامة التنفيذية. والهدف ليس إلغاء المجالس المهنية، بل وضعها ضمن هندسة وطنية أوسع. والهدف ليس تقليص دور النقابات، بل حماية دورها التمثيلي مع نقل التنظيم العام إلى جهة وطنية محايدة.

والهدف ليس مركزية خانقة، بل مركزية تخطيطية ذكية تقود نظامًا متعدد القطاعات.

إن الأردن اليوم أمام فرصة لإعادة بناء النظام الصحي من رأس الهرم لا من أطرافه. فإذا كان المرضى يشعرون بتشتت المسارات، والمهنيون يشعرون بتعدد المرجعيات، وصانع القرار يواجه نقصًا في البيانات الموحدة، فإن الحل يبدأ بمجلس صحي عالي قوي، فاعل، مستقل، مبني على الأدلة، ويملك صلاحية تحديد الأولويات الوطنية.

إعادة رسم النظام الصحي ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية. فالنظام الصحي الذي لا يملك عقلًا تخطيطيًا واحدًا سيظل يستهلك موارده في معالجة الأعراض بدل علاج الأسباب. أما النظام الذي يوحد مرجعيته، ويفصل بين التنظيم وتقديم الخدمة، ويضع الإنسان وسلامة المريض في مركز القرار، فهو النظام القادر على الصمود، والإنصاف، والاستجابة للمستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :