facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من النشامى إلى الاقتصاد: كيف تلهم روح الفريق مسار التنمية في الأردن؟


د. حمد الكساسبة
17-06-2026 01:50 PM

لم تكن مشاركة النشامى في كأس العالم مجرد حدث رياضي، حتى وإن لم تأتِ النتيجة أمام النمسا كما تمناها الأردنيون. فالأهم أن الأردن وصل إلى مستوى عالمي كان يبدو قبل سنوات بعيدًا، وأن هذا الوصول لم يكن صدفة، بل نتيجة هدف واضح، وتدريب منظم، وتراكم في الأداء، وثقة بالقدرات المحلية. هذه التجربة تستحق أن تُقرأ خارج الملعب، لأنها تقول إن الإمكانات المحدودة يمكن أن تتحول إلى إنجاز عندما تُدار بعقلية الفريق.

والاقتصاد لا يختلف كثيرًا عن الفريق الناجح. فهو لا يتقدم بالأمنيات ولا بالمبادرات المتفرقة، بل يحتاج إلى رؤية واضحة، وأدوار محددة، وانسجام بين المؤسسات والقطاعات، ومتابعة مستمرة للنتائج. كما أن الفريق الذي يريد الوصول إلى مستوى عالمي يعرف أين يريد أن يصل وكيف يقيس تقدمه، فإن مسار التنمية يحتاج إلى أهداف واضحة في التشغيل، والنمو، والصادرات، والاستثمار، والإنتاجية، حتى يشعر الناس بالأثر في العمل والدخل والأسعار.

أول درس من تجربة النشامى هو أن وضوح الهدف يغير السلوك. عندما يصبح الوصول إلى مستوى عالمي هدفًا حقيقيًا، تتغير طريقة التدريب، والاختيار، والتحضير، وإدارة المباريات. وفي التنمية أيضًا، لا يكفي الحديث عن النمو بصورة عامة، بل يجب أن يتحول إلى أهداف عملية: كم فرصة عمل نريد؟ ما القطاعات التي تستطيع خلقها؟ كيف نرفع الإنتاجية؟ وكيف نزيد مساهمة الصادرات والخدمات والسياحة والزراعة في الدخل الوطني؟

الدرس الثاني أن الاعتماد على النفس لا يعني الانغلاق أو الاستغناء عن الشراكات، بل يعني أن يبدأ البناء من الداخل. فالنشامى لم ينتظروا ظروفًا مثالية كي يتطوروا، بل استثمروا ما هو متاح ورفعوا مستوى التنظيم والثقة والانضباط. والأردن يمتلك عناصر قوة حقيقية: الإنسان، والموقع، والسياحة، والزراعة، والتعليم، والخدمات، والخبرة، والقدرة على التكيف. هذه العناصر لا تحتاج إلى اكتشاف بقدر ما تحتاج إلى ربط وتنظيم وتوجيه.

ومن زاوية عملية، يمكن النظر إلى الاقتصاد الأردني كمنظومة واحدة لا كمجموعة قطاعات منفصلة. فالزراعة تصبح أقوى عندما ترتبط بالتصنيع الغذائي والتصدير، والسياحة تنمو أكثر عندما تتكامل مع النقل والخدمات والترويج، والتعليم يحقق أثره حين يرتبط بسوق العمل، والمشاريع الصغيرة تكبر عندما تجد التمويل والأسواق والتكنولوجيا. عندها تتحرك القطاعات كفريق واحد، لا كلاعبين متفرقين في ملعب واحد.

وهنا تظهر فكرة الفجوة الإنتاجية. فالأردن لا يفتقر إلى المقومات، لكنه يحتاج إلى رفع درجة استخدامها وربطها ببعضها. الفجوة ليست في غياب الإمكانات، بل في حجم ما يتحول منها إلى إنتاج وتشغيل وقيمة مضافة. وتقليص هذه الفجوة يبدأ من تشغيل الطاقات غير المستغلة بالكامل، وربط التعليم بفرص العمل، وتحويل الزراعة والسياحة والخدمات إلى قطاعات منتجة ومتكاملة يظهر أثرها في النمو والتشغيل.

ومن هنا تبرز أهمية وجود آلية تنفيذية واضحة تربط الوزارات والمؤسسات والقطاع الخاص حول أهداف محددة. وليس المقصود إضافة جهاز جديد أو زيادة التعقيد الإداري، بل تعزيز التنسيق والمتابعة وقياس النتائج. وكما يحتاج الفريق إلى جهاز فني يقرأ المباراة ويعدل الخطة، يحتاج مسار التنمية إلى متابعة مستمرة للتنفيذ، وتحديد العوائق، وتوضيح ما تحقق وما يحتاج إلى تطوير.

كما أن الثقة عنصر حاسم في الرياضة والتنمية معًا. اللاعب الذي يؤمن بأنه قادر على المنافسة يتغير أداؤه، وكذلك المستثمر والشاب والمزارع والصانع. التنمية تحتاج إلى ثقة بالقوانين، وثقة بأن العمل والإنتاج مجديان، وثقة بأن الفرصة ممكنة. وعندما يرى المواطن أن الخطط تنعكس على فرص العمل والدخل والخدمات، تتحول الثقة من خطاب عام إلى طاقة إنتاجية حقيقية.

في المحصلة، تقدم تجربة النشامى درسًا يتجاوز كرة القدم: الإنجاز لا يحتاج دائمًا إلى موارد ضخمة بقدر ما يحتاج إلى هدف واضح، وعمل جماعي منسجم، وثقة بالقدرات المحلية، ومتابعة جادة للنتائج. وربما يحتاج مسار التنمية في الأردن اليوم إلى الروح نفسها؛ روح تؤمن بأن تقليص الفجوة الإنتاجية يبدأ من حسن استخدام ما نملك، وتنظيمه ضمن خطة واحدة، وتحويله إلى فرص عمل ودخل أفضل للناس. عندها لا يكون السؤال: ماذا ينقص الأردن؟ بل: كيف نستخدم ما نملك لنصنع اقتصادًا أقوى، وفرصًا أوسع، وحياة أفضل للناس؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :