الدقيقة 50 من مباراة الفخر .. صورة ستحفر في ذاكرة العالم أجمع
د. صفاء الحمايدة
17-06-2026 03:21 PM
تباشر الكاتبة والمحللة الأردنية الفرنسية د. صفاء الحمايدة، نشر مقالات في وكالة عمون الإخبارية، كخبيرة في العلاقات الدولية والدبلوماسية الاقتصادية في الشرق الأوسط، مقيمة في باريس.
وتهتم الدكتورة الحمايدة في القضايا الجيوسياسية والتحولات الإقليمية، وتقدّم محتوى في تطوير الوعي وتحقيق الأهداف، بأسلوب يربط الواقع السياسي والإنساني بأبعاده الأعمق.
وتاليا مقالها الاول لـ عمون:
الدقيقة 50 من مباراة الفخر.. صورة ستحفر في ذاكرة العالم أجمع
* من ملعب ليفايز إلى عمّان: حين يكتب النشامى التاريخ بلغة المثلث الذهبي
في الساعات الأولى من صباح الأربعاء 17 يونيو 2026، وبينما كانت باريس لا تزال غارقة في عتمة ما قبل الفجر، كنت مستيقظة، كما استيقظ معي ملايين الأردنيين في كل قارة، لنعيش معاً لحظة لم يعشها جيل كامل من قبل.
الأردن يخوض مباراته الأولى في تاريخه على مسرح كأس العالم.
لم يكن المكان عمّان، ولا الزرقاء، ولا إربد.
كان ملعب ليفايز في منطقة سان فرانسيسكو، حيث وقف العلم الأردني، لأول مرة، بين أعلام الكبار.
وكما علّمتُ دائماً في رحلتي في هذه الحياة وتحقيق الأهداف، فإن قاعدة واحدة تبقى صحيحة أمام كل ما تحمله الحياة من أفراح وتحديات: اعترف. امتن. واطلب المزيد.
وهذا بالضبط ما يستحقه النشامى اليوم، وما تستحقه كل لحظة نعيشها في هذا الوطن.
علينا أولاً أن نعترف.
أن نعترف بأن الأردن دخل مواجهة منتخب أوروبي عريق، يقوده مدرب عالي الخبرة، بقلبٍ لا يعرف التردد.
تأخر النشامى أولاً بهدف افتتحه رومانو شميد في الدقيقة العشرين، فماذا فعل لاعبونا؟ لم ينكفئوا، ولم يتحصّنوا خلف الكرة، بل واصلوا الهجوم بجرأة لافتة، وكاد علي علوان أن يدرك التعادل مبكراً برأسية ارتطمت بالعارضة، في رسالة واضحة أن هذا الجيل يلعب بإبداع من يعرف أنه يستحق مكانه بين الكبار.
وجاءت اللحظة التي لن ينساها التاريخ: في الدقيقة الخمسين، سجّل علي علوان أول هدف أردني في تاريخ كأس العالم، بتسديدة رائعة لا تشبه إلا جرأة من لعب بلا خوف.
وفي لحظة أعمق من الهدف نفسه، رفع علوان قميصاً يحمل رقم زميله يزن النعيمات، الغائب عن الملعب بسبب الإصابة، ليعلن للعالم أن الوفاء عند النشامى لا يتوقف عند حدود الملعب، وأن الانتماء للزميل والانتماء للوطن وجهان لحقيقة واحدة.
تلك الصورة، بكل بساطتها، هي ما سيبقى في الذاكرة حين تُنسى تفاصيل اللوحة الكاملة: لاعب يحتفل بتاريخ وطنه، ويرفع في اللحظة نفسها اسم رفيقه الغائب، أمام كاميرات العالم كله.
وحتى في الدقائق الأخيرة، حين تبدّلت الأرقام على اللوحة، لم يغادر لاعبو الأردن الملعب فوراً، بل توجهوا نحو جماهيرهم، وحيّوهم، وعانق بعضهم بعضاً، في مشهد يقول إن الوفاء للجمهور لا يقل عن الوفاء للزميل.
تلك هي الحقيقة التي نعترف بها: ما قدّمه النشامى من جرأة وإبداع وولاء، يستحق أن يُروى أبعد بكثير من أي رقم على لوحة النتائج.
وعلينا أن نمتن.
شكراً للنشامى.
شكراً لأنكم فتحتم لنا باباً لم يُفتح من قبل في تاريخ هذا الوطن، وجعلتم النشيد الأردني يُعزف لأول مرة على أكبر مسرح كروي في العالم.
شكراً لأن لعبكم لم يكن خائفاً ولا منكفئاً، بل لعباً جريئاً يحمل توقيع جيل لا يهاب الكبار.
وشكراً لصورة الوفاء التي رسمتموها، حين تذكّرتم زميلكم المصاب في أبهى لحظاتكم، وحين عُدتم لتشكروا جماهيركم رغم ثقل اللحظة.
ولم تكن هذه الرحلة وحدها رحلة لاعبين، بل كانت رحلة وطن بأكمله.
فقد تابع جلالة الملك عبدالله الثاني مشوار النشامى بقلب الأب الذي يفتخر بأبنائه، وكانت رسالته إليهم واضحة: نفخر بكم وكل التوفيق بمشوار كأس العالم.
وفي مدرجات ملعب ليفايز، جلس سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى جانب سمو الأميرة رجوة الحسين وسمو الأمير هاشم بن عبدالله الثاني، يعيشون كل دقيقة من المباراة كما يعيشها أي أردني في أي بقعة من العالم، يهتفون، ويتفاعلون، ويقفون مع لاعبيهم في كل لحظة.
وفي هذا المشهد رسالة عميقة: أن القيادة الهاشمية لا تقف خلف النشامى من بعيد، بل تجلس بينهم، وتشاركهم الفرحة والتحدي على السواء.
وكما وقفت القيادة، وقف الشعب.
رأينا الأردنيين، في عمّان والزرقاء وإربد والكرك ومعان، يجلسون أمام الشاشات كعائلة واحدة.
ورأينا المغتربين، في باريس والخليج وأوروبا وأستراليا وأمريكا، يضبطون منبّه الفجر ليكونوا مع فريقهم.
اتحدت كل الأطياف، وكل العشائر، وكل المدن والقرى والمخيمات، خلف حلم واحد، في مشهد يذكّرنا بأن ما يجمع الأردنيين أعمق بكثير من كل ما يحاول الآخرون تصويره عن انقساماتهم.
هذا الالتفاف، بين القيادة والشعب والمنتخب، هو الانتصار الحقيقي الذي لا تستطيع أي لوحة نتائج أن تمحوه.
المثلث الذهبي للنجاح وتجسيد الرغبات
اعترف • امتن • واطلب المزيد
أما الركن الثالث، فهو الأهم: اطلب المزيد.
لا من باب التقليل من الجهد، بل من باب الإيمان بأن هذا الجيل قادر على ما هو أبعد من ليلة واحدة.
نريد المزيد من النضج في إدارة اللحظات الحاسمة، فالفارق بين الكبار والصغار في كرة القدم العالمية غالباً ما يُقاس بلحظة تركيز واحدة.
نريد المزيد من الاستثمار في الأكاديميات وفي هذا الجيل من اللاعبين، حتى تتحول هذه المشاركة التاريخية إلى قاعدة دائمة، لا إلى ذكرى عابرة، تماماً كما أراد جلالة الملك دائماً أن يكون الإنجاز أساساً للبناء لا توقفاً عنده.
ونريد، في مواجهة الجزائر المقبلة، أن نرى هذه الجرأة نفسها، وهذا الوفاء نفسه، يتحولان إلى نقاط تقرّب النشامى من حلم التأهل.
وهذا، بالضبط، هو ما تعلمته من سنوات طويلة في رحلة الوعي وتحقيق الأهداف: أن المثلث الذهبي لا يصلح لكرة القدم فقط، بل هو الطريقة التي ينبغي أن نواجه بها كل حدث في حياتنا، صغيراً كان أو كبيراً، فرحاً أو تحدياً.
فحين نعترف بما تحقق، ونمتن لكل من ساهم فيه، ونطلب المزيد بثقة لا بجزع، نتحول من متلقّين للأحداث إلى صانعين لمصيرنا.
وهكذا يكون حالنا مع كل أحداث الحياة: نعترف، فنرى الحقيقة كما هي. ونمتن، فنفتح القلب لاستقبال المزيد. ونطلب المزيد، فنُكمل الطريق بثقة لا تعرف التوقف.
فهل نجعل من ليلة ليفايز بداية أردنية جديدة في الملاعب الكبرى، أم نتركها ليلة عابرة في سجل الذكريات؟
شكراً للنشامى… وشكراً للأردن الذي يعلّمنا، مع كل حدث، كيف نقف بفخر، أياً كانت الأرقام.