التاريخ لا يحفظ النتائج بل الذين وسّعوا حدود الحلم
سمير حمدان - بودابست
18-06-2026 12:04 AM
ليست المشكلة أن يخسر منتخب مباراة في كأس العالم، فكم من فريق كبير خرج مبكراً وبقي اسمه لامعاً، المشكلة الحقيقية أن نسمح لنتيجة واحدة أن تحجب عنا حجم التحول الذي صنعه هذا الجيل، وأن ننظر إلى رحلة امتدت لسنوات من العمل والعرق من ثقب تسعين دقيقة، بعض الشعوب تقيس نفسها بما تحمله من كؤوس، لكن الشعوب الواثقة تنظر أيضاً إلى الطريق الذي أوصلها إلى المنصة، لأن قيمة الإنجاز لا تكمن في صورة التتويج وحدها، بل في كل خطوة سبقتها .
ولست خبيراً بالرياضة، ولا أكتب عادة عن كرة القدم، لكن هناك لحظات تتجاوز فيها الرياضة حدود الملعب لتصبح قصة وطن، وما حققه الأردن بالوصول إلى كأس العالم هو واحد من تلك الأحداث التي لا تحتاج إلى أن تكون مشجعاً متعصباً أو كاتباً رياضياً كي تشعر بقيمتها، لأنها ببساطة لحظة رأى فيها الأردنيون علم بلادهم بين أعلام أكبر المنتخبات في العالم، وشعروا أن حلماً ظل بعيداً أصبح حقيقة يراها الجميع .
حين تأهل الأردن إلى كأس العالم لم يكن يسجل إنجازاً رياضياً عادياً، بل كان يعيد تعريف الممكن في وعي بلد كامل، الأردن ليس من الدول ذات الميزانيات الرياضية الضخمة، ولا من أصحاب الدوريات ذات الإنفاق الهائل، ولا من البلدان التي تملك مئات المواهب في أكاديميات فارهة، لكنه يملك شيئاً أصعب قياساً وأقوى تأثيراً، الإنسان الأردني حين يؤمن بفكرته، ويتمسك بحلمه، ويحوّل ضيق الإمكانات إلى سبب إضافي للقتال لا إلى ذريعة للتراجع .
في عالم كرة القدم تستطيع الأموال أن تشتري أفضل المدربين، وتبني أكبر الملاعب، وتؤمن أحدث التجهيزات، لكنها لا تستطيع أن تشتري الروح، الروح التي حملها المنتخب الأردني معه إلى المونديال لم تأت من عقد احترافي أو مكافأة ضخمة، بل من شعور داخلي بأن اللاعبين لا يمثلون فريقاً فقط، بل يمثلون وطناً بأكمله، يكفي أن نتذكر تلك اللحظة التي ظهر فيها علم الأردن بين أعلام أقوى منتخبات العالم، وكيف التفتت العيون إليه بفخر ودهشة معاً، لحظة أدرك فيها الأردنيون أن الوصول إلى العالم ليس حكراً على أحد، وأن الطموح حين يقترن بالعمل يصبح أقوى من كل الحسابات المسبقة .
ومن الظلم أن تنسب هذه القصة إلى اللاعبين وحدهم، فهناك مدربون عملوا بصمت، وأجهزة فنية وطبية وإدارية تحملت ما لا يراه الجمهور، وأندية احتضنت المواهب منذ سنواتها الأولى، واتحاد واصل العمل رغم الضغوط والانتقادات، وعائلات دفعت من وقتها وأعصابها وصبرها، وجماهير بقيت مؤمنة بالفريق حتى في الأوقات التي لم تكن النتائج فيها على قدر التوقعات، هذه ليست حكاية أحد عشر لاعباً، بل حكاية منظومة كاملة آمنت بهدف بدا صعباً ثم حولته إلى واقع .
أما اللاعبون فقد قدموا ما هو أبعد من أداء كروي، لم يختبئوا خلف فارق الإمكانات أو الخبرة، ولم يقدموا سردية المظلومية، بل دخلوا الملعب بروح من يعرف أن الفرصة التي بين يديه تستحق كل ما يملك من جهد وعزيمة، وما كسبوه لا يختزل في مشاركة تاريخية، بل في احترام شعب كامل، وفي رسالة صامتة لكل من يشاهدهم، أن طريق القمة يبدأ من لحظة تصدق فيها أنك تستحق أن تكون هناك .
الأهم أن هذا المنتخب منح الأردنيين شيئاً نادراً، ثقة متجددة بالنفس، طفل أردني يتابع المباريات اليوم بات يملك نموذجاً قريباً منه، وشاب يبحث عن طريقه في الحياة صار أمامه مثال واضح على أن قلة الموارد ليست حكماً نهائياً بالفشل، وأن ما يقال عنه مستحيل ليس سوى وصف لشيء لم يُجرّب بما يكفي، وهذه ربما تكون أعظم هدية قدمها هذا الجيل لوطنه، لأنها هدية ستبقى بعد انتهاء البطولة وبعد تبدل النتائج والظروف .
ولهذا فإن الواجب اليوم ليس محاسبة هذا الفريق على نتيجة، بل تقديره على إنجاز جعل ملايين الأردنيين يرون أن ما كان يبدو بعيداً أصبح ممكناً، فالمنتخبات العظيمة لا تُبنى بالتصفيق عند الانتصار فقط، بل بالثقة والدعم والالتفاف حولها وهي تواصل طريقها نحو إنجازات أكبر .
ومهما كانت نتيجة المباراة القادمة، فإن ما تحقق أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية، لأن التاريخ لا يحفظ النتائج وحدها، بل يحفظ الذين وسّعوا حدود الحلم، وأثبتوا أن الأوطان تكبر بأحلام أبنائها قبل أن تكبر بحجم ما تملك، وأن الرايات العظيمة لا يرفعها من يملكون الأكثر، بل من يؤمنون أكثر .