معرض بكين الدولي للكتاب 2026: جسور المعرفة وحوار الحضارات
السفير د. موفق العجلوني
18-06-2026 12:36 PM
يشكل الكتاب عبر التاريخ أحد أهم أدوات بناء الحضارات وتشكيل الوعي الإنساني، إذ كان ولا يزال الوعاء الأبرز لحفظ المعرفة ونقلها بين الأجيال والشعوب. وفي عصر التحولات الرقمية المتسارعة، تبرز معارض الكتب الدولية بوصفها منصات ثقافية عالمية تؤكد استمرار أهمية الكتاب وقدرته على مواكبة التطور التكنولوجي وتعزيز التواصل الحضاري بين الأمم.
وفي هذا السياق، استضافت مدينة بكين فعاليات معرض بكين الدولي للكتاب 2026 خلال الفترة من 17 إلى 21 حزيران/يونيو 2026، وهو ثاني أكبر معرض للكتاب في العالم وأبرز منصة دولية للنشر في آسيا. وقد استقطب المعرض أكثر من 2600 عارض من أكثر من 100 دولة، عارضين طيفاً واسعاً من الإصدارات والمنتجات الثقافية التي شملت الكتب المطبوعة والمنشورات الرقمية والوسائط المتعددة والكتب المصورة وخدمات تجارة الحقوق الفكرية.
ولم يقتصر دور المعرض على عرض الكتب فحسب، بل تحول إلى فضاء عالمي للحوار الثقافي وتبادل الخبرات بين الناشرين والمؤلفين والمترجمين والمتخصصين في صناعة النشر. كما تضمن برنامج "دولة الشرف"، وأقساماً متخصصة للمؤلفين والمترجمين، ومنطقة للقراءة المخصصة للأطفال، ومكتبة للحقوق الفكرية تسهم في تسهيل اتفاقيات الترجمة والنشر والترخيص الرقمي بين مختلف دول العالم.
ومن اللافت أن المعرض عكس التفاعل الخلاق بين الثقافة والتكنولوجيا، من خلال توفير تطبيقات ذكية للملاحة داخل أروقته، وبرامج رقمية تسهل التواصل بين العارضين والزوار، مما يؤكد أن مستقبل الكتاب لا يتعارض مع التطور الرقمي، بل يستفيد منه لتعزيز الوصول إلى المعرفة ونشرها على نطاق أوسع.
و شهد معرض بكين الدولي للكتاب 2026 حضورًا عربيًا لافتًا، تمثل في المشاركة المتميزة لكل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، في إطار تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي مع الصين. وقد حلت الإمارات ضيف شرف الدورة الثانية والثلاثين للمعرض، مقدمةً برنامجًا ثقافيًا متنوعًا عبر جناح «البيت الإماراتي» الذي جمع المؤسسات الثقافية والأكاديمية والإبداعية و ابرزها اصدارات معالي الدكتور جمال سند السويدي ناىب رىيس مجلس امناء مركز الامارات للدراسات و البحوث الاستراتيجية ، بهدف التعريف بالمشهد الثقافي الإماراتي وتعزيز التعاون في مجالات النشر والترجمة والصناعات الثقافية. كما شاركت العديد من الجهات الإماراتية بفعاليات وندوات وإصدارات تعكس ثراء التجربة الثقافية للدولة وحضورها المتنامي على الساحة الدولية.
أما المملكة العربية السعودية، فقد واصلت حضورها الفاعل في معارض الكتاب الدولية من خلال إبراز منجزاتها في مجالات الأدب والنشر والترجمة، وتعزيز جسور التواصل الثقافي مع المؤسسات الصينية والعالمية. وتنسجم المشاركة السعودية مع توجهات المملكة نحو توسيع حضورها الثقافي عالميًا، ودعم حركة الترجمة والتبادل المعرفي، بما يسهم في ترسيخ العلاقات الثقافية بين العالم العربي والصين. وقد عكست مشاركة البلدين عمق العلاقات العربية الصينية، وأكدت أهمية الكتاب والثقافة كوسيلة للحوار الحضاري والتقارب بين الشعوب
وتكتسب المشاركة العربية في مثل هذه المحافل أهمية خاصة، إذ تسهم في إبراز الحضور الثقافي العربي وتعريف العالم بالمنجز الفكري والمعرفي العربي.
إن أهمية معارض الكتب تتجاوز الجوانب التجارية والاقتصادية المرتبطة بصناعة النشر، لتشمل أبعاداً ثقافية وتنموية عميقة. فهي تسهم في تشجيع القراءة، وتعزيز الوعي المجتمعي، وإتاحة الوصول إلى مصادر المعرفة، فضلاً عن دورها في دعم المؤلفين والمبدعين وتوسيع آفاق الترجمة والتبادل الثقافي بين الشعوب.
وعند الحديث عن أهمية الكتاب ومعارضه، يبرز الدور الذي تؤديه المملكة الأردنية الهاشمية في دعم الثقافة والقراءة. فقد شهد الأردن خلال العقود الماضية تطوراً ملحوظاً في تنظيم معارض الكتب والفعاليات الثقافية التي تستقطب دور النشر العربية والدولية وتوفر للجمهور فرصاً واسعة للاطلاع على أحدث الإصدارات الفكرية والعلمية والأدبية.
وتكتسب معارض الكتب في الأردن أهمية مضاعفة نظراً لدورها في ترسيخ ثقافة القراءة بين الشباب والأطفال، وتعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية، ودعم حركة التأليف والترجمة والنشر. كما تمثل هذه المعارض فضاءات للحوار الفكري وتبادل الرؤى بين المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي، بما يسهم في بناء مجتمع المعرفة الذي يشكل أساس التنمية المستدامة.
إن تجربة معرض بكين الدولي للكتاب تؤكد أن الاستثمار في الثقافة والكتاب ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية واستراتيجية. فالأمم التي تحتفي بالكتاب وتدعم القراءة هي الأمم الأقدر على مواجهة تحديات المستقبل وصناعة التقدم. ومن هنا تبرز أهمية مواصلة دعم معارض الكتب في الأردن والعالم العربي، وتعزيز حضورها بوصفها جسوراً للمعرفة ومنابر للحوار الإنساني ووسائل فاعلة لبناء أجيال أكثر وعياً وإبداعاً وقدرة على الإسهام في نهضة مجتمعاتها .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و البحوث الاستراتيجية
[email protected]