facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من فرساي 1919 إلى فرساي 2026 .. الاتفاق الذي أوقف الحرب ولم يُنهِ الصراع


سمير حمدان - بودابست
19-06-2026 05:48 PM

ليست قيمة فرساي 2026 في المكان وحده، بل في المعنى الذي يحمله الاسم نفسه، ففي عام 1919 وُقّعت في فرساي معاهدة أنهت الحرب العالمية الأولى رسمياً، لكنها لم تُنتج سلاماً مستقراً، بل أسست لتوازن مختل انفجر لاحقاً في حرب جديدة، وبعد أكثر من قرن يعود القصر ذاته ليحتضن اتفاقاً أمريكياً إيرانياً لا يعلن المصالحة بين خصمين تاريخيين، بل يكرّس حقيقة بسيطة وقاسية، يمكن وقف الحرب عندما ترتفع كلفتها، لكن لا يمكن إنهاء الصراع ما دامت أسبابه العميقة قائمة .

هذا الاتفاق لم يولد من تقارب سياسي عميق، ولا من تحول أيديولوجي مفاجئ لدى أي من الطرفين، ما حدث هو أن واشنطن وطهران وصلتا إلى لحظة أصبحت فيها إدارة المواجهة أقل كلفة من استمرارها، فالولايات المتحدة رأت أن حرباً مفتوحة مع إيران أو على امتداد ساحات نفوذها تهدد أسواق الطاقة وتستنزف الجهد العسكري وتربك أولوياتها في لحظة يزداد فيها الضغط الاستراتيجي المرتبط بالصين والاقتصاد العالمي، أما إيران فقد أثبتت قدرتها على امتصاص العقوبات والضغوط، لكنها أدركت أن التحمّل وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى مكسب سياسي يخفف العزلة ويمنحها مساحة أوسع للحركة .

من هنا فإن الروايتين الرسميتين عن الانتصار ليستا سوى غلاف سياسي لتسوية اضطرارية، تستطيع واشنطن أن تقول إن العقوبات والضغط العسكري والدبلوماسي دفعت إيران إلى التفاوض، وتستطيع طهران أن تقول إن صمودها هو الذي فرض الاعتراف بها شريكاً لا يمكن تجاوزه، لكن الحقيقة الأهم أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة، الحسم الكامل لم يعد خياراً واقعياً، وهذه ليست ملاحظة تكتيكية عابرة، بل تحول استراتيجي عميق، فعندما تنتقل قوة عظمى من محاولة تغيير خصمها إلى محاولة التفاهم معه على قواعد الاشتباك، فهذا يعني أن ميزان القوة لم يعد يسمح بسياسات الإخضاع القديمة .

بهذا المعنى يحمل الاتفاق مكسباً سياسياً مهماً لإيران، حتى لو لم تحصل على كل ما تريد، فمجرد الانتقال من سياسة العزل والاحتواء إلى التفاوض على ترتيبات جديدة يمنحها اعترافاً ضمنياً بأنها جزء من معادلة التوازن الإقليمي، لا مجرد أزمة مؤقتة يمكن إزالتها بالقوة، والأرجح أن المؤسسة الإيرانية ستبني على ذلك خطاباً داخلياً مفاده أن ما فشل فيه الضغط الاقتصادي والعسكري انتهى إلى إقرار أمريكي بحدود القوة، وهذه السردية ليست تفصيلاً إعلامياً، بل جزء من تثبيت شرعية المسار الذي تبنته طهران منذ عقود .

في المقابل لا ترى واشنطن في الاتفاق هزيمة، بل إعادة ترتيب للمخاطر، فالإدارة الأمريكية لا تحتاج إلى حب إيران كي تتفاهم معها، بل تحتاج إلى منع حرب أوسع ترفع كلفة الطاقة وتهز الاقتصاد الدولي وتستنزف التركيز الأمريكي في منطقة لم تعد تمثل الأولوية الوحيدة في العالم، ومن هذه الزاوية يمكن فهم لهجة جي دي فانس تجاه إسرائيل، حين شدد على أن الولايات المتحدة هي الداعم الأكبر، لكن ضمن حدود ترسمها المصلحة الأمريكية أولاً، لا حسابات الحلفاء الإقليميين .

لكن الخطر الحقيقي يبدأ بعد التوقيع لا عنده، فالتاريخ لا يحذر من فشل الحروب فقط، بل من أوهام الاتفاقات أيضاً، فرساي 1919 أنهت حرباً من دون أن تبني نظاماً قابلاً للحياة، وميونخ 1938 دخلت التاريخ بوصفها مثالاً على اتفاق منح شعوراً مؤقتاً بالأمان قبل الانفجار، فالخطر في الاتفاقات الكبرى ليس أن تفشل فوراً، بل أن تنجح مؤقتاً في إخفاء التناقضات التي ستنفجر لاحقاً بصورة أكثر تعقيداً، ولذلك فإن اختبار فرساي 2026 لن يكون في الصور والبيانات، بل في السؤال الأصعب، هل يعالج الاتفاق جذور الصراع أم يؤجل انفجاره في صيغة جديدة أقل مباشرة وأكثر تعقيداً .

الراجح حتى الآن أنه يؤجل ولا يحل، لكنه مع ذلك قد يكون أخطر وأهم من مجرد هدنة، لأنه يعلن للمرة الأولى بهذا الوضوح نهاية وهم سيطر على الشرق الأوسط لعقود، وهم أن الخصوم يمكن كسرهم نهائياً بالقوة، وإذا كان هذا الوهم قد سقط فعلاً في فرساي 2026، فإن ما بدأ هناك ليس سلاماً ولا انتصاراً نهائياً لأي طرف، بل اعتراف متبادل بأن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لم يعد فيها كسر الخصوم ممكناً، وأن إدارة التوازنات أصبحت أكثر واقعية من السعي إلى إلغائها، وعندها قد يكتب المؤرخون مستقبلاً أن فرساي 2026 لم تكن المكان الذي انتهت فيه حرب، بل المكان الذي اعترف فيه الجميع بأن الحرب لم تعد قادرة على حسم الصراع .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :