facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .. بين سمو المبادئ وواقع التطبيق


محمد نور الدباس
21-06-2026 01:58 PM

من السهل أن تتفق دول العالم على توقيع المعاهدات، لكن من الصعب أن تترجم تلك التواقيع إلى رغيف خبز، أو سرير في مستشفى، أو مقعد في مدرسة، أو فرصة عمل تحفظ كرامة الإنسان، وهنا تكمن المعضلة الحقيقية للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ فهو من أكثر المواثيق الدولية طموحًا في أهدافه، ومن أكثرها تعثرًا في تطبيقه.

فالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يُعد أحد أهم الصكوك الدولية في منظومة حقوق الإنسان، وقد اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، ودخل حيز النفاذ عام 1976. ويكفل حقوقًا أساسية، مثل الحق في العمل، والضمان الاجتماعي، والصحة، والتعليم، والسكن، والغذاء، والمشاركة في الحياة الثقافية، ومع ذلك، فإن هذا العهد، رغم أهميته، لم يسلم من الانتقادات القانونية والعملية.

ولقد جاء العهد ليؤكد حقيقة لا يجوز تجاوزها، وهي أن الحرية لا تكتمل إذا كان الإنسان جائعًا، وأن الديمقراطية تفقد معناها عندما يعجز المواطن عن العلاج أو التعليم أو السكن اللائق، فالكرامة الإنسانية ليست شعارًا سياسيًا، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من تأمين الاحتياجات الأساسية للإنسان قبل أي شيء آخر.

غير أن العهد، رغم مكانته القانونية والأخلاقية، يحمل في داخله إشكالية جوهرية تتمثل في مبدأ "الإعمال التدريجي"، فبينما يبدو هذا المبدأ واقعيًا من الناحية الاقتصادية، فإنه تحول في كثير من الأحيان إلى مظلة لتبرير التقاعس، وكأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أصبحت وعودًا مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

والأخطر من ذلك أن تنفيذ هذه الحقوق يخضع لاعتبارات اقتصادية وسياسية تختلف من دولة إلى أخرى، ففي حين يستطيع بلد غني توفير تعليم وصحة وسكن بمستويات عالية، تجد دول أخرى نفسها عاجزة عن الوفاء بالحد الأدنى من تلك الحقوق، ليس دائمًا بسبب سوء الإدارة، وإنما أحيانًا بسبب الفقر أو الحروب أو العقوبات أو الأزمات الاقتصادية العالمية، وهكذا يصبح مستوى حقوق الإنسان مرهونًا بحجم الناتج المحلي أكثر من ارتباطه بقوة النصوص القانونية.

كما وتبرز مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي ضعف آليات الإلزام الدولية، فالعهد يعتمد بدرجة كبيرة على التقارير الدورية والحوار مع الدول، دون وجود وسائل فعالة لإجبار الحكومات على تنفيذ التزاماتها، والنتيجة أن بعض الدول تتقن كتابة التقارير أكثر مما تتقن حماية الحقوق، فتتحول الإنجازات إلى نصوص على الورق، بينما يبقى المواطن ينتظر أثرها في حياته اليومية.

ولا يمكن إغفال أن ملف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أصبح، في كثير من الأحيان، ساحة للصراع السياسي الدولي، حيث تُوجَّه الانتقادات إلى بعض الدول، بينما تُغضّ الأبصار عن انتهاكات مشابهة في دول أخرى، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى حيادية النظام الدولي لحقوق الإنسان.

لكن كل هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة التاريخية للعهد، فقد نجح في ترسيخ مفهوم بالغ الأهمية، وهو أن حقوق الإنسان كلٌّ لا يتجزأ، وأن الحق في التصويت لا يقل أهمية عن الحق في العلاج، وأن حرية التعبير لا تغني عن الحق في العمل، وأن الكرامة الإنسانية لا يمكن تقسيمها إلى حقوق من الدرجة الأولى وأخرى من الدرجة الثانية.

إن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في صياغة معاهدات جديدة، بل في إيجاد إرادة سياسية تجعل هذه الحقوق قابلة للقياس والمساءلة والتنفيذ، فالمواطن لا يقيس نجاح المواثيق الدولية بعدد موادها، وإنما بقدرتها على تحسين حياته اليومية، ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه المجتمع الدولي بصراحة: هل نريد معاهدات تُزيّن رفوف المكتبات، أم حقوقًا تُغيّر حياة البشر؟ فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين القانون بوصفه نصًا، والقانون بوصفه عدالة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :