التعليم الإلكتروني في الجامعات الخاصة: لماذا يدفع الطالب أكثر مقابل خدمة أقل؟
د. محمد بني سلامة
21-06-2026 05:08 PM
في الوقت الذي يُفترض أن تسهم التكنولوجيا في تخفيض كلفة التعليم وتوسيع فرص الوصول إليه، تفاجأ شريحة واسعة من طلبة الجامعات الخاصة بفرض رسوم إضافية تحت مسمى "رسوم التعليم الإلكتروني"، رغم أنهم يدفعون مسبقاً الرسوم الدراسية الكاملة عن الساعات المعتمدة. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل هذه الرسوم مبررة فعلاً، أم أنها عبء مالي جديد يُفرض على الطالب دون سند منطقي أو قانوني كافٍ؟
الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الطالب عندما يسدد رسوم الساعات الدراسية، فإنه يدفع مقابل العملية التعليمية بمختلف عناصرها؛ من محاضرات ومحتوى علمي وإشراف أكاديمي وامتحانات وتقييمات وخدمات تعليمية متكاملة. وعليه، فإن التعليم الإلكتروني لا يمثل خدمة جديدة أو مستقلة، بل هو مجرد وسيلة مختلفة لتقديم الخدمة التعليمية نفسها. فالجامعة لا تبيع منصة إلكترونية، وإنما تقدم تعليماً ومعرفة، سواء تم ذلك داخل قاعة المحاضرات أو عبر شاشة الحاسوب.
الأكثر إثارة للاستغراب أن الطالب في نظام التعليم الإلكتروني يتحمل بنفسه جزءاً كبيراً من التكاليف التي كانت تتحملها الجامعة في التعليم الوجاهي. فهو يوفر جهاز الحاسوب، ويدفع اشتراك الإنترنت، ويتحمل فاتورة الكهرباء، ويؤمن البيئة التقنية المناسبة لمتابعة دراسته. وفي المقابل، تتراجع على الجامعة نفقات عديدة تتعلق باستخدام القاعات الدراسية، والمرافق العامة، والخدمات الطلابية، والصيانة، والنظافة، والأمن الجامعي، وغيرها من المصاريف المرتبطة بالحضور الفعلي داخل الحرم الجامعي.
أمام هذه المعادلة، يصبح من المشروع التساؤل: ما المبرر الحقيقي لفرض رسوم إضافية على التعليم الإلكتروني؟ وإذا كان الهدف هو تغطية تكاليف المنصات الرقمية والتراخيص التقنية، فإن هذه النفقات لا تختلف في جوهرها عن أي تكلفة تشغيلية أخرى تتحملها المؤسسة التعليمية، كالأبنية والتجهيزات والبرمجيات والرواتب. ومن غير المنطقي أن تتحول كل أداة تستخدمها الجامعة إلى رسم مستقل يدفعه الطالب فوق الرسوم الدراسية الأساسية.
والمفارقة أن الطالب قد يجد نفسه يدفع مبالغ أكبر مقابل تعليم يعتمد بدرجة كبيرة على إمكاناته الشخصية، بينما تكون الجامعة قد خففت جانباً مهماً من أعبائها التشغيلية. وهي معادلة تثير تساؤلات جدية حول العدالة المالية ومدى التناسب بين الرسوم المفروضة والخدمة المقدمة فعلياً.
أما من الناحية القانونية، فإن أي رسم مالي يجب أن يستند إلى أساس نظامي واضح، وأن يقابل خدمة محددة ومتميزة لم تكن مشمولة أصلاً ضمن الرسوم الدراسية المدفوعة. وإذا كان الرسم الإضافي يتعلق بذات العملية التعليمية التي سدد الطالب ثمنها مسبقاً، فإن ذلك يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول مدى قانونية هذا الإجراء ومدى انسجامه مع مبادئ العدالة التعاقدية وحسن النية في تنفيذ الالتزامات بين الجامعة وطلبتها.
لا أحد يعارض تطوير البنية التكنولوجية للجامعات أو الاستثمار في التحول الرقمي، بل إن ذلك أصبح ضرورة تفرضها متطلبات العصر. غير أن تمويل هذا التطوير يجب ألا يتحول إلى ذريعة لزيادة الأعباء المالية على الطلبة وأسرهم، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها كثير منهم.
إن التعليم الإلكتروني وُجد لتسهيل الوصول إلى المعرفة وتوسيع فرص التعلم وخفض الكلفة التشغيلية، لا لتحويل التكنولوجيا إلى باب جديد للرسوم والاستيفاءات المالية. فالعدالة تقتضي أن ترتبط الرسوم الجامعية بخدمة حقيقية ومباشرة، وأن يبقى الطالب شريكاً في العملية التعليمية لا مصدراً مفتوحاً لتحميل المزيد من النفقات تحت مسميات جديدة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة من مؤسسات التعليم العالي المعنية : إذا كان الطالب يدفع كلفة التعليم كاملة، ويتحمل بنفسه كلفة الوصول الإلكتروني إلى المحاضرة، فما الذي يدفع مقابله مرة أخرى تحت مسمى "رسوم التعليم الإلكتروني"؟