سؤال سياسي وإنساني يكاد يتصدر مجالس الأردنيين وأحاديثهم، ولا ينطلق من فضول عابر، بل يعبّر عن فراسة شعبية تقرأ ملامح جلالة الملك في كل مناسبة وإطلالة، وتبحث عن إجابة تخص مصيرهم المشترك.
فالناس يدركون بفطرتهم أن همومهم تسكن قلب قائد الوطن، ويشعرون بأن راحته الشخصية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفرص العيش الكريم لشعبه،
والتدقيق في جوهر السؤال يضع الحكومة أمام مرآة الحقيقة حتى لا تركن إلى عبارات المجاملة المحلية وشهادات الرضا من الهيئات الدولية المانحة.
أمّا بقاء الحكومة فلا تضمنه فرضية ولاية السنوات الأربع، بل يحدده مدى تحقيق ما يبعث على الارتياح الحقيقي في وجدان الملك، وهو الارتياح الذي يأتي من الشعور بطمأنينة الأردنيين وضمان استقرار معيشتهم.
وهنا بيت القصيد؛ إذ يواجه المواطن اليوم حالة من الاغتراب المعرفي، عندما يتحوّل الخطاب الاقتصادي الرسمي إلى رطانة معزولة تتحدث عن واقع افتراضي لا يجده الناس في تفاصيلهم اليومية.
فمشكلة هذه الأرقام لا تكمن في جفافها وحسب، بل في أنها تبني جداراً نفسياً عازلاً مع الناس حين تتحدث عن عجز الموازنة، ورب الأسرة منشغل في حساب كلفة الإنارة وحصة عائلته من المياه، ويغرق ما تبقّىٰ من الطبقة الوسطىٰ في تفاصيل تدبير كفاف العيش.
ويتجلى الاغتراب الاقتصادي للمواطن في محاولة فهم نمط الإدارة الفوقية التي تعتقد بأن تعديل القوانين والرقمنة ومؤشرات الأداء الصماء تغني عن ملامسة أوجاع الشارع.
فقد زاد الشعور بالعودة إلى إنتاج أخطاء نهج البيروقراط النخبوي الذي انعزل في مختبراته المكيفة لتحضير خطط اقتصادية تحطمت على صخرة الواقع ، لغياب الشراكة الحقيقية مع الإنسان الأردني الذي تحمّل نتائج هذه القرارات.
إن الهروب نحو وعود المشاريع المستقبلية بتقديرات مليارية، لا يبيح تجاهل معالجة مشاكل ملحة تخنق الأسواق، كالارتفاع الباهظ في كلف الطاقة والكهرباء التي ترهق الصناعة وتعيق نمو الأعمال الصغيرة.
وبدلاً من مواجهة هذه الحقائق بجرأة، تندفع الحكومة نحو تحقيق النجاح الدفتري ونيل إشادات البنك الدولي وصندوق النقد وتثبيت التصنيف الائتماني، الذي لا يتحقق من زيادة الإنتاج، بل بتحصيل السيولة من جيوب الناس والأسواق عبر آليات الضرائب والرسوم المتغلغلة في تفاصيل السلع والخدمات اليومية، لتتحول الصورة الذهنية إلى جباية الأرقام، بدلاً من رعاية الحركة الاقتصادية وحماية الأمن المعيشي.
وهنا يتجلى شكل الخطاب المنفصل عن ركود الأسواق وتآكل القوة الشرائية المستمر لدى الطبقتين الوسطى والفقيرة، واستياء المواطن لشعوره بأن صانع القرار الاقتصادي مهتم بتنفيذ توصيات خارجية أكثر من الالتفات لمعاناته.
أعود إلى سؤال "هل سيّدنا مرتاح؟"
فالأردنيون يرون في جوهره ما يجدد اليقين في قلوبهم، فهم يدركون بأن جلالته يملك آليات مستقلة وشفافة لقراءة أداء الحكومات بدون المساحيق البيروقراطية والتقارير المغلفة بالرضا الذاتي.
ومعلوم أن ما يريح بال الملك هو انقشاع هموم الأردنيين بانفراج ضيق معيشتهم، وهو الهدف الأسمى الذي يركز جهده وفكره من أجله تقديراً لكرامة شعبه.
فكما عينُ الأردنيين على مليكهم فإن عينَ جلالتِه على الجبهة الداخلية التي تسنده في مواجهة تحديات الإقليم وتعزيز صمود الأردن واستقراره.
و أولى برئيس الحكومة أن يخرج من مكتبه في القصر المخصص للسكن الوظيفي، لكي يتلمس وجع الشارع الحقيقي دون سيناريوهات جاهزة وتنسيق شكلي للاستهلاك الإعلامي.
وليبحث الرئيس ووزراؤه عن المعاملات الاستثمارية التي يقتلها الانتظار في دهاليز البيروقراطية، ومئات المظالم الإدارية التي صنعها عدم الالتزام بمعايير الحوكمة، وليبحث أيضاً في أوضاع عشرات الآلاف من العائلات التي استنزفها الاقتراض لتأمين أبسط مقومات الحياة، وقسم هائل من بيوت الأردنيين التي تؤوي شباباً متعلماً انطفأ طموحه في طوابير البطالة.
وأحرى برئيس الحكومة أن يبحث في أمر مئات الأسر التي تفككت تحت وطأة العسر المالي وارتفاع نسب الجرائم في الإطار العائلي، وظواهر التسرب المدرسي المقلقة لغايات إعالة الأسر، في ظل مخاطر اجتماعية تدفع الشباب للانزلاق نحو الإدمان أو الانتحار هرباً من الواقع.
وقبل أن تمتد يد السياسات الاقتصادية نحو مزيد من تخفيف الدعم، لا بد للحكومة أن تسأل إذا كان المواطن المثقل سيتحمل المزيد من الأعباء في أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ان تعزيز جبهتنا الداخلية لا يُصنع بالمؤشرات والاستطلاعات وثناء المانحين ، بل بالعمل الصادق على حفظ كرامة المواطن في القرى والبوادي والمدن والمخيمات..
فمن واقع الرضا الشعبي تبرز الحقائق، ويقرأ سيد البلاد صدق الإنجاز، وتنتهي الحكاية.