في زمن تتغير فيه الأشياء بسرعة، وتذوب فيه الهويات أحياناً تحت ضغط العولمة والتكنولوجيا والتحولات الاجتماعية، يبقى السؤال مطروحاً: من نحن؟
أعجبتني عبارة سمعتها من الأستاذ أحمد سلامة حين قال: «نحن الأردنيون ما زلنا ملاح». عبارة بسيطة، لكنها تختصر قصة شعب، وسيرة وطن، وقيم مجتمع.
فالملح ليس مجرد مادة تحفظ الطعام، بل رمز للحفظ والثبات والأصالة. وحين نقول إننا "ما زلنا ملاح"، فنحن نقول إننا ما زلنا نحفظ العهد، ونصون الكلمة، ونقف إلى جانب بعضنا في الشدائد قبل الأفراح.
الأردنيون، رغم كل ما مر عليهم من تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية، ما زالوا يحملون في وجدانهم تلك القيم التي صنعت صورتهم عبر عقود طويلة: الكرم، والنخوة، والشهامة، واحترام الكبير، وإغاثة الملهوف، والوقوف مع الوطن حين يحتاج أبناءه.
قد تتغير أنماط الحياة، وتتبدل المدن، وتتطور وسائل التواصل، لكن جوهر الإنسان الأردني ظل ثابتاً. فما زلنا نرى البيوت تُفتح للضيف دون موعد، وما زلنا نشهد حملات التكافل حين تقع أزمة، وما زالت عبارة "فزعة" تحمل معناها الحقيقي في القرى والمدن والمخيمات والبوادي على حد سواء.
ولعل أجمل ما في الأردنيين أنهم لم يجعلوا الأصالة نقيضاً للتطور. فهم قادرون على دخول المستقبل دون أن يخلعوا عباءة القيم. يتعلمون ويبتكرون ويسافرون ويواكبون العالم، لكنهم يعودون دائماً إلى جذورهم التي تمنحهم التوازن والمعنى.
إن الأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو مبانٍ أو تقنيات، بل بما تمتلكه من منظومة قيم تحفظ تماسكها عند الأزمات. ومن هذه الزاوية، فإن قوة الأردن الحقيقية كانت دائماً في إنسانه.
لهذا، حين يقول أحدهم: «ما زلنا ملاح»، فهو لا يتحدث عن الماضي بحنين عابر، بل يعلن تمسكه بمنظومة أخلاقية وإنسانية ما زالت حاضرة في وجدان الناس. إنها رسالة بأن الأصالة ليست ذكرى، بل ممارسة يومية.
نعم، قد تتغير الوجوه والأدوات والظروف، لكن الملح يبقى ملحاً.
ونحن، ما زلنا ملاح ونشامى.