النشامى بعد الجزائر .. خسروا النتيجة وكسبوا درس الكبار
فيصل تايه
23-06-2026 09:54 AM
لم تكن خسارة المنتخب الأردني أمام الجزائر بهدفين مقابل هدف مجرد نتيجة أخرى تُضاف إلى سجل المباريات، بل كانت مواجهة حملت في تفاصيلها صورة أعمق عن واقع منتخب يقف اليوم على عتبة جديدة من تاريخه؛ منتخب لم يعد يبحث عن إثبات وجوده، بل أصبح مطالباً بمعرفة كيف يحول حضوره إلى نتائج. فبعد مواجهة النمسا التي كشفت قيمة التفاصيل الصغيرة، جاءت مباراة الجزائر لتؤكد أن الوصول إلى مستوى الكبار يحتاج إلى أكثر من الروح والرغبة؛ يحتاج إلى خبرة في إدارة اللحظات الحاسمة.
دخل "النشامى" اللقاء بشخصية واضحة وإيمان حقيقي بقدرتهم على المنافسة، ولم يكن الهدف الذي سجله نزار الرشدان مجرد تقدم في النتيجة، بل كان تعبيراً عن حالة الثقة التي وصل إليها هذا الجيل ، اذ لم يعد المنتخب الأردني ذلك الفريق الذي يدخل أمام المنتخبات الكبيرة بحثاً عن تقليل الخسارة، بل أصبح قادراً على المبادرة والتقدم وفرض نفسه في فترات من المباراة.
وهنا يجب أن يكون الإنصاف حاضراً؛ فالخسارة أمام الجزائر لا تلغي ما قدمه المنتخب، كما أن الخروج بنتيجة سلبية لا يعني أن المشروع قد تراجع. فالأردن واجه منتخباً يمتلك تاريخاً وخبرة وعمقاً فنياً كبيراً، ونجح في مجاراته لفترات مهمة، لكنه اصطدم بحقيقة كرة القدم على أعلى المستويات: أن المباريات لا تُحسم فقط بمن يلعب أفضل، بل بمن يعرف كيف يتعامل مع لحظات التحول.
في الشوط الأول ظهر المنتخب الأردني بصورة منظمة، ونجح في إغلاق المساحات واللعب بروح قتالية عالية، لكن الشوط الثاني كشف جانباً آخر من الفارق. فالمنتخب الجزائري استطاع رفع الإيقاع، وفرض ضغط أكبر، وإجبار الأردن على التراجع، وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة التفاصيل؛ القدرة على الاحتفاظ بالكرة، تهدئة اللعب، امتصاص الضغط، ثم العودة إلى المباراة عندما تتغير موازينها.
المشكلة التي ظهرت أمام الجزائر، كما ظهرت أمام النمسا، ليست غياب الموهبة أو ضعف الشخصية، فهذه العناصر أصبحت واضحة لدى النشامى، وإنما الحاجة إلى تطوير عقلية التعامل مع المباريات الكبيرة. فالمنتخبات التي تصل إلى أعلى المستويات لا تعتمد فقط على الحماس والانضباط، بل تمتلك حلولاً متعددة عندما تتغير ظروف اللقاء، وتعرف كيف تحمي تقدمها، وكيف تعود عندما تتأخر.
وهنا يأتي دور الجهاز الفني؛ ليس من باب تحميله مسؤولية الخسارة، بل لأن المرحلة الحالية تتطلب قراءة دقيقة لما ينقص المنتخب. فالوصول إلى هذه المرحلة إنجاز مهم، لكن المحافظة على هذا المستوى تحتاج إلى تطوير مستمر في الخيارات، ورفع القدرة على تغيير شكل المباراة من خلال التبديلات، وإيجاد حلول أكثر عندما يفرض المنافس أسلوبه.
كما أن اللاعبين أنفسهم أمام مرحلة جديدة من التحدي. فقد أثبتوا امتلاكهم للشجاعة والقدرة على المنافسة، لكن كرة القدم الدولية لا تمنح الكثير من الوقت للتعلم؛ فهي تكافئ الفريق الأكثر نضجاً في لحظاته الصعبة ، فالمطلوب ليس التشكيك في قدرات هذا الجيل، بل مساعدته على الانتقال من مرحلة إثبات الذات إلى مرحلة صناعة النتائج.
لقد كشفت مواجهتا النمسا والجزائر أن الأردن لا يعيش أزمة مستوى، بل يواجه تحدي التطور. هناك فارق بين منتخب يحلم بالوصول، ومنتخب يعرف كيف ينافس بعد الوصول. وهذا الفارق لا يُبنى في مباراة واحدة، بل عبر تراكم الخبرة، ورفع جودة المنافسة، وتحويل الدروس القاسية إلى خطوات إلى الأمام.
قد تكون نتيجة الجزائر مؤلمة، لكنها ليست نهاية القصة. فالمنتخب الأردني كسب خلال هذه المرحلة شيئاً لا يُقاس بالنقاط فقط: كسب احترام المنافسين، وثقة جماهيره، وإيماناً بأن مكانه بين الكبار لم يعد حلماً بعيداً.
لقد قدمت الجزائر درساً في كيفية استثمار اللحظات، وقدم الأردن درساً في الشجاعة والإيمان بالقدرة على المنافسة. ويبقى التحدي الحقيقي أمام "النشامى" أن يحولوا هذه الدروس إلى قوة إضافية؛ أن يجمعوا بين روح المحارب التي لا تستسلم، وعقلية الفريق الكبير الذي يعرف أن الانتصارات تُصنع بالتفاصيل.