ما بعد الحرب: هل تبدأ صفحة جديدة بين العرب وإيران؟
حجازي البحري المحاميد
16-06-2026 11:49 AM
مع توقف الحرب الأخيرة وتوقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو أن المنطقة تقف أمام لحظة سياسية جديدة تستحق التوقف عندها بعيداً عن الانفعالات والشعارات. فبعيداً عن تفاصيل المعارك والخسائر، فإن قراءة النتائج السياسية تشير إلى أن إيران استطاعت الخروج من الأزمة وهي أكثر قدرة على تثبيت موقعها الإقليمي مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
فالإفراج عن الأرصدة المالية المجمدة، والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها، وترتيب أوضاع الملاحة والتجارة في منطقة الخليج ومضيق هرمز، كلها عوامل تمثل مكاسب استراتيجية لطهران على المدى البعيد. كما أن انتهاء مرحلة المواجهة المباشرة يفتح الباب أمام عودة تدريجية لإيران إلى الاقتصاد العالمي وتخفيف جزء من عزلتها السياسية والاقتصادية التي استمرت سنوات طويلة.
لكن الأهم من المكاسب الإيرانية ذاتها هو السؤال الذي يفرض نفسه على العالم العربي: هل ما زلنا أسرى عقلية الصراع الدائم، أم أن الوقت قد حان لبناء مقاربة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي؟
لقد عاشت المنطقة لعقود طويلة تحت تأثير خطاب التخويف المتبادل، حيث صُوّرت إيران باعتبارها "البعبع" الدائم الذي يهدد الجميع، فيما رأت طهران نفسها محاصرة من قوى إقليمية ودولية تسعى إلى إضعافها. وبين هذين الخطابين دفعت شعوب المنطقة الثمن الأكبر من أمنها واستقرارها وتنميتها.
ولا شك أن السياسات الإيرانية السابقة، خصوصاً ما يتعلق بدعم بعض الجماعات المسلحة والتدخل في شؤون عدد من الدول العربية، ساهمت في تعميق الانقسامات وإضعاف الدولة الوطنية في أكثر من ساحة. إلا أن المرحلة الجديدة تفرض مراجعة شاملة من جميع الأطراف، لأن استمرار منطق المواجهة لن يؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة تستنزف الجميع.
إن المنطقة اليوم بحاجة إلى استراتيجية مختلفة تقوم على الحوار والتعاون الاقتصادي واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. فالعرب وإيران يشتركون في الجغرافيا والمصالح الاقتصادية وأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، وهي ملفات تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع المستمر.
وفي الوقت ذاته، يجب أن يدرك العرب درساً مهماً كشفت عنه الأحداث الأخيرة: لا يمكن لأي أمة أن تبني أمنها القومي بالاعتماد الكامل على القوى الخارجية. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها أولاً وأخيراً، وقد تتغير مواقفها وتحالفاتها في أي لحظة. لذلك فإن الطريق الحقيقي نحو الاستقرار يبدأ ببناء القدرات الذاتية العربية، اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، بما يضمن القدرة على حماية المصالح الوطنية ومواجهة أي تهديد محتمل من أي جهة كانت.
إن المستقبل الآمن للمنطقة لا يتحقق من خلال صناعة الأعداء الدائمين، بل من خلال بناء توازنات عقلانية تحفظ المصالح وتمنع الحروب. وإذا كانت المرحلة الماضية قد اتسمت بالاستقطاب والصراعات، فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة الحوار والشراكة والتنمية.
ربما لا يكون الطريق سهلاً، وربما تبقى هناك خلافات عميقة بين العرب وإيران، لكن التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا لا تتغير، وأن الجيران محكومون في النهاية بالبحث عن صيغ للتعايش والتعاون. ومن هنا قد تكون هذه اللحظة بداية عصر جديد في المنطقة، عصر يقوم على المصالح المشتركة بدلاً من الصراعات المفتوحة، وعلى بناء القوة الذاتية بدلاً من الارتهان للآخرين.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه الضعفاء، بل تصنعه الدول القوية الواثقة من نفسها، والقادرة على حماية مصالحها ومدّ يدها للتعاون في الوقت ذاته.