خمسة موهوبون او اقل...ماذا فعلوا؟!؟!
أفلح علماء الادارة حديثا عندما قاموا بتغيير الاسم ليصبح "ادارة المواهب" بدلا من "ادارة الموارد البشرية" وذلك لضرورة الذهاب مباشرة لجوهر العملية الادارية وهدفها، وذلك بإحتضان المواهب ورعايتها وخلق البيئة الملائمة لاستثمار مواهبهم وتوظيفها لصالح المؤسسة، والدولة بشكل عام، وان لا يكون التوظيف مجرد تعبئة للشواغر وحسب.
سُمّيت إدارة المواهب بهذا الاسم لأن جوهرها هو إدارة المواهب التي يمتلكها الأفراد، وليس مجرد إدارة شؤون الموظفين، فالمقصود بـ"الموهبة" هنا هو مجموعة القدرات والمهارات والمعارف والاستعدادات التي تجعل بعض الأفراد قادرين على تحقيق أداء متميز وإضافة قيمة خاصة وميزة للعمل، لذلك فإن تسمية "إدارة المواهب" تعكس فكرة أن الأفراد ليسوا مجرد قوة عمل، بل هم أصحاب مواهب وإمكانات يجب التعرف إليها واستثمارها وتوجيهها لتحقيق الأهداف,ولذلك فإن الانتقال من مصطلح الموارد البشرية إلى إدارة المواهب يعكس تحولًا فكريًا من إدارة الأشخاص باعتبارهم "موارد" إلى الاستثمار بهم باعتبارهم "مواهب" تمثل المصدر الحقيقي للالهام والنهوض والتقدم.
اسوق هذه المقدمة الضرورية لاقول ان ادارة المواهب قد تكون سببا بنهوض دولة، لابل انها السبب الاكيد للنهوض بها، فقد رأينا على هامش المونديال الذي شاركت به الاردن، ان مجموعة شباب موهوبين ولا يزيد عددهم عن اصايع اليد الواحدة وبمجهودات فردية وامكانات وادارة ذاتية دون اي تبني من قبل الجهات الرسمية، قد حققوا للاردن ( بالاضافة للمنتخب) ما لم تحققه وزارات كاملة بجميع كوادرها وميزانياتها وسفرياتها واجتماعاتها....الخ، فقد اثبت هؤلاء الشباب عمليا ان لديهم مواهب فذة استطاعوا ان يوظفوها لصالحهم وصالح الاردن.
اذا نظرنا لتجارب دول ٱخرى لرأينا ان انتقالها لادارة المواهب كان السبب الحقيقي بالقفزات الجبارة التي حققتها نحو مستقبل افضل لشعوبها، وعلى سبيل المثال لا الحصر سنغافورة التي اعتمدت على سياسات مكثفة لاكتشاف المواهب والكفاءات وتطويرها، فانتقلت من دولة محدودة الموارد إلى أحد أكثر الاقتصادات تنافسية، واستثمرت كوريا الجنوبية في التعليم والبحث العلمي وتنمية المواهب، مما أسهم في تحولها إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية، فيما ركزت فنلندا على اكتشاف قدرات الطلبة وتنميتها عبر نظام تعليمي متقدم، فحققت مستويات مرتفعة في جودة التعليم والابتكار.
إن تبنّي الدولة لسياسات إدارة المواهب والبحث عنهم لا ينعكس على المؤسسات والأفراد فحسب، بل يمتد أثره إلى التنمية الوطنية والاستقرار الاجتماعي والمكانة الدولية للوطن، ايضا تبنّي الدولة لإدارة المواهب يعني الانتقال من الاعتماد على الموارد المادية وحدها إلى الاستثمار في الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية. فالدول التي تدير مواهبها بكفاءة عالية، تمتلك فرصًا أكبر لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز مكانتها الدولية، وبناء مجتمع أكثر ازدهارًا وعدالة وإبداعًا.