حين امتلأت الساحات… تكلم الشعب
المهندس احمد الغزو
23-06-2026 10:06 PM
لم يكن المشهد الذي شهدته الساحة الهاشمية والمدرج الروماني مجرد تجمع جماهيري لمتابعة مباراة كرة قدم، ولم يكن مجرد احتفال عابر بإنجاز رياضي، بل كان رسالة وطنية عميقة تستحق أن تُقرأ جيداً.
لكن قبل أي شيء، لا بد أن ننحني احتراماً لروح الشاب الأردني الذي فقد حياته في لحظات التدافع، وأن نتمنى الشفاء العاجل للمصابين. فالفرح لا يكتمل حين يطرق الحزن باب بيت أردني، والوطن الحقيقي هو الذي يتسع للفرح كما يتسع للمواساة.
لقد خرج الأردنيون من بيوتهم في ساعات متأخرة من الليل وساعات مبكرة من الفجر، لا لأنهم كانوا يبحثون عن مباراة فحسب، بل لأنهم كانوا يبحثون عن لحظة تجمعهم على حب واحد، وراية واحدة، وأمل واحد.
هذا الشعب الذي يرهقه الغلاء، وتثقله الأعباء، وتؤرقه الأسئلة اليومية حول المستقبل، ما زال يمتلك قدرة مدهشة على الحب والانتماء. وما شهدناه لم يكن انفجاراً جماهيرياً بقدر ما كان انفجاراً للمشاعر الوطنية المختزنة في صدور الناس.
وهنا ينبغي أن تتوقف الحكومة ومؤسسات الدولة طويلاً أمام هذا المشهد.
فلا أحد يجب أن يفسر صمت الأردنيين على أنه غياب للرأي أو ضعف في الإحساس أو رضا كامل عن الواقع. فخلف هذا الصمت شعب صبور، عاقل، مسؤول، لكنه أيضاً شعب يتطلع إلى الأمل، ويبحث عن العدالة، وينتظر أن يرى نتائج حقيقية تلامس حياته اليومية.
إن الشعوب تشبه المياه الجارية؛ قد تبدو هادئة فوق السطح، لكنها تحتفظ دائماً بطاقة هائلة في أعماقها. والحكومات الناجحة هي التي تصغي إلى نبض الناس قبل أن تضطر لسماع أصواتهم العالية.
لقد أثبت الأردنيون أنهم قادرون على الاجتماع حول مشروع وطني جامع عندما يجدون ما يوحدهم. وهذا درس ينبغي أن نتعلمه جميعاً. فالوطنية لا تُبنى بالخطب وحدها، ولا بالمناسبات الرسمية فقط، بل تُبنى بالثقة والعدالة والكفاءة واحترام المواطن وإشراكه في صناعة المستقبل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نتعامل مع ما جرى باعتباره مناسبة عابرة انتهت بانتهاء المباراة. فالمشهد كان أكبر من مباراة، وأعمق من نتيجة، وأوسع من احتفال.
لقد قال الأردنيون بطريقتهم الخاصة إنهم ما زالوا يؤمنون بهذا الوطن، وما زالوا قادرين على الالتفاف حوله، وما زالوا يبحثون عن قصة نجاح تمنحهم الأمل.
واليوم، فإن الرسالة ليست للناس، فالناس قالوا كلمتهم بالفعل، وإنما لمن يتخذ القرار: استمعوا جيداً إلى نبض الشارع، واستثمروا هذا الحب العظيم للأردن في مشروع وطني حقيقي يعيد الثقة، ويعزز الأمل، ويفتح الأبواب أمام الشباب والكفاءات، ويجعل المواطن شريكاً في الإنجاز لا مجرد متلقٍ للقرارات.
فالذي ملأ الساحات والمدرجات لم يكن جمهور كرة قدم فحسب، بل كان شعباً يقول إنه ما زال هنا… يحب وطنه، ويتمسك بأمله، وينتظر مستقبلاً يليق بتضحياته وصبره.
والرسالة التي خرجت من بين الأعلام والهتافات واضحة: إن الأردنيين لا تنقصهم الوطنية، ولا ينقصهم الانتماء، ولا تنقصهم الرغبة في الإنجاز، بل يحتاجون إلى من يصغي إليهم، ويؤمن بقدراتهم، ويفتح أمامهم أبواب الأمل.
أما الذين يظنون أن صمت الناس استسلام، أو أن صبرهم ضعف، فهم لا يعرفون هذا الشعب جيداً.
فالأردنيون كانوا دائماً كالنهر؛ هادئين في مظهرهم، عميقين في وجدانهم، عظيمين في محبتهم لوطنهم.
حفظ الله الأردن، وحفظ شعبه، ورحم الشاب الذي غادرنا في يوم الفرح، وشفى المصابين، وجعل من محبة الأردنيين لوطنهم طاقة بناء لا تنطفئ، وأملاً لا ينكسر.
فالأوطان لا تخاف من أصوات شعوبها، بل تزداد قوة حين تصغي إليها. والأردنيون أثبتوا مرة أخرى أنهم حين يجتمعون حول رايتهم، فإنهم يصنعون مشهداً أكبر من مباراة وأبقى من مناسبة.
وخلف كل صمت حكاية، وخلف كل حشد رسالة، وخلف كل راية رفرفت في الساحات شعبٌ لا يطلب المستحيل… بل يطلب وطناً يبادله الحب بالعدالة، والانتماء بالفرص، والصبر بالإنجاز.