facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أخيرًا زرت سوريا


فيصل سلايطة
24-06-2026 11:04 AM

قبل أن أبدأ، لا أكتب هذه السطور من موقع المقارنة بين سوريا والأردن، ولا من باب التقليل من حجم المأساة التي عاشها السوريون طوال أربعة عشر عامًا من الحرب والدمار والنزوح والفقدان. كما أنني لا أدّعي أن زيارة قصيرة تمنحني القدرة على فهم المشهد السوري بكل تعقيداته. لكنها تبقى انطباعات أولى لمشاهد رأيتها بعيني وأنا أتجول في دمشق بعد سنوات طويلة من متابعة أخبارها من خلف الشاشات.

ما رأيته ببساطة أن سوريا لا تحتاج إلى إصلاحات محدودة أو مشاريع متفرقة، بل تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات كي تعود دولةً قادرة على الوقوف بثبات. حجم التآكل الذي أصاب البنية التحتية أكبر مما يمكن أن تصفه التقارير أو تنقله الصور. شوارع كثيرة ما زالت تحمل آثار السنوات الماضية، وخدمات عديدة تبدو وكأن الزمن توقف عندها منذ أكثر من عقد، والناس يجب أن تحصل على رواتب مجزية لكي تعود وتؤمن وترمم علاقتها بحكومتها.

أثناء تنقلي داخل دمشق، كان من الصعب تجاهل حالة المركبات ووسائل النقل. لم أجد تقريبًا سيارة أجرة واحدة تعمل بالمستوى الطبيعي. كثير من السيارات تبدو وكأنها خرجت من عام 2010 لتعمل في عام 2026.

لكن الصورة لم تكن سوداء بالكامل كما يحاول البعض تصويرها، ولم تكن وردية كما يتخيلها آخرون. كانت صورة بلد يحاول أن ينهض بعد سقوط طويل، والاشاعات نالت كثيرا منه.

ما استوقفني أيضًا أن ما يسمى "سوريا الجديدة" لا تشبه كثيرًا تلك الصورة التي رسمها البعض في المخيلة العربية. قبل الزيارة كنت أسمع كثيرًا عن مظاهر التشدد والانغلاق والخوف من التعامل مع الناس. لكنني، وخلال تجوالي في دمشق، لم ألحظ ما كان يُشاع بهذا الشكل. بل على العكس، فإن الاغلبية كانوا لطفاء جدا. لم أجد تلك العدائية أو القسوة التي جرى الترويج لها في كثير من النقاشات. بالطبع لا يمكن تعميم تجربة فردية على مجتمع كامل، لكن من الإنصاف أن أنقل ما رأيته كما هو، فلم أرى فقط النقاب كما يشاع عنها، رأيت كل اشكال الانفتاح، كما تركتها قديما.

ومن الأمور التي أثارت انتباهي أيضًا أنني لم أرَ خلال تجولي الطويل في دمشق صورة واحدة للرئيس الجديد. في بلد اعتاد لعقود على تحويل صور القادة إلى جزء من المشهد اليومي، كان غياب الصور لافتًا جدًا. سواء اتفق الناس معه أم اختلفوا، فإن هذه النقطة تُحسب له سياسيًا، لأنها تعطي انطباعًا بأن الدولة لا تحاول فرض حضور الأشخاص في كل زاوية من زوايا الحياة العامة.

اقتصاديًا، ما زال السوريون يعيشون حالة من الارتباك. كثير من الناس يتحدثون عن الأسعار والعملات وكأنهم يقفون بين زمنين. هناك من لا يزال يحسب بعقلية الأسعار القديمة، وهناك من يحاول التأقلم مع واقع جديد تغيرت فيه الأرقام والقيم الشرائية بصورة هائلة. خلال حديثي مع عدد من السوريين شعرت أن الجميع ما زال يبحث عن نقطة استقرار واضحة يمكن البناء عليها.

أما الأسعار، فقد كانت إحدى المفاجآت بالنسبة لي. كنت أتوقع أن تكون الفجوة كبيرة جدًا مقارنة بالأردن، لكن الواقع مختلف. نعم، توجد سلع وخدمات أرخص، لكن هناك أيضًا أمور أصبحت أسعارها قريبة من الأسعار الأردنية، وأحيانًا أعلى مما يتخيله الزائر. وهذا يضع عبئًا إضافيًا على المواطن السوري الذي لا تزال دخول كثيرين منه بعيدة عن مواكبة هذا الواقع.

ورغم كل ما سبق، فإن أكثر ما بقي في ذهني لم يكن الدمار ولا السيارات القديمة ولا النقاشات السياسية. ما بقي هو الناس. السوريون الذين التقيتهم كانوا يحاولون العيش. فقط العيش. فتح محالهم، الذهاب إلى أعمالهم، الحديث عن المستقبل، الضحك، شرب القهوة، والتخطيط لأيام أفضل. بعد أربعة عشر عامًا من الحرب، يبدو أن أكبر أحلام كثير منهم لم تعد أحلامًا كبيرة؛ بل حياة طبيعية تشبه حياة أي إنسان في أي مكان آخر.

على نظام الشرع أن يرسم صورة منظّمة للجندي السوري ، أن يوحّد اللباس و الهيئة ، أن تكون للشرطة السياحة زي معيّن ، و للحرس و لشرطة المرور و لأي شخص يعمل في حفظ النظام زي موحد ، فالعشوائية مقبولة في أي زاوية إلا بما يخص الدولة و من يعمل في حفظ نظامها.

خرجت من دمشق وأنا أحمل شعورين متناقضين. الأول هو الحزن على مدينة جميلة تستحق أكثر. والثاني هو الإعجاب بقدرة الناس على الاستمرار رغم كل شيء. سوريا اليوم ليست كما كانت قبل الحرب، ولن تعود إليها بسهولة. الطريق ما زال طويلًا وشاقًا، ويحتاج إلى استقرار واستثمارات وإدارة ووقت. لكن ما رأيته أيضًا أن هناك شعبًا ما زال يمتلك الرغبة في النهوض، وهذه ربما تكون الثروة الحقيقية التي لم تستطع الحرب تدميرها.

السوريون يحبون الأردن ، في محل للحلاقة كان بعض الشبان يتناقشون بموضوع كأس العالم ، اشادوا جميعهم بمنتخبنا ، مع كلمات اطراء عن الاردن ، دون حتى أن يعلموا أن من بينهم أردني ، حتى سائق التكسي قال ما إن علِم أنني قادم من الاردن : لك نيالكن شو عاززكن هالملك ، نيالكن فيه ، بوسو ايدكن وش و قفا عليه...

هذا شعوري تماما بعد أي رحلة للخارج ، الأردن نعمة لا تقدّر بثمن ، و من يرى الغير ، يعلم كم نحن محظوظون بقيادتنا...





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :