التوجيهي 2026 .. حين تجلس الأحلام على مقاعد الامتحان
فيصل تايه
25-06-2026 08:54 AM
في صباح هذا اليوم، يتوجه ما يقارب مئة وستة وتسعين ألفاً من أبنائنا وبناتنا الطلبة إلى قاعات امتحان الثانوية العامة، ترافقهم أحلام وتطلعات الأسر الأردنية، وتحمل معهم حصيلة سنوات طويلة من الاجتهاد والانتظار والدعاء والعمل الصامت؛ لتبدأ محطة وطنية جديدة لا تُختبر فيها المعرفة وحدها، بل تُختبر معها الإرادة والانضباط والقدرة على تحويل الطموح إلى إنجاز.
في هذا اليوم، لا يذهب الطالب وحده إلى الامتحان، بل ترافقه قصة أسرة كاملة استثمرت في تعليمه، وعلّقت على نجاحه آمالاً كبيرة بمستقبل أكثر إشراقاً واستقراراً؛ فخلف كل مقعد امتحاني حكاية جهد وانتظار، وخلف كل طالب منظومة من الدعم والرعاية والتضحيات. ومن هنا، يبقى التوجيهي في الوجدان الأردني مناسبة وطنية استثنائية تتقاطع فيها تطلعات الأفراد مع رهانات المجتمع، وتتجلى فيها مكانة التعليم باعتباره الرافعة الأساسية للحراك الاجتماعي وصناعة الفرص وبناء المستقبل.
إن امتحان الثانوية العامة لهذا العام يكتسب أهمية إضافية؛ كونه يأتي في سياق التحول الهيكلي الذي تشهده منظومة التعليم الثانوي في الأردن، وتطبيق الرؤية التطويرية الجديدة التي تسعى إلى إعادة بناء فلسفة التقييم بصورة أكثر توازناً وعدالة، لتنسجم مع متطلبات العصر وسوق العمل. وهو ما يجعل دورة ٢٠٢٦ محطة مفصلية في مسار الإصلاح التربوي الذي تتبناه الدولة الأردنية، لا سيما مع التوسع في برامج التعليم التقني والمهني الحديثة مثل (BTEC) وتطوير مسارات التعليم، بما ينقل فلسفة الامتحان من التركيز على التلقين واسترجاع المعلومات إلى بناء الكفايات الحقيقية والمهارات التطبيقية.
غير أن قيمة هذا الاستحقاق لا تتوقف عند أبعاده الأكاديمية والتطويرية، بل تمتد إلى تلك الحالة الوطنية الفريدة التي يصنعها في كل بيت. فمنذ ساعات الفجر الأولى، تستيقظ البيوت على إيقاع مختلف؛ أمهات يرافقن أبناءهن بالدعاء، وآباء يخفون قلقهم خلف كلمات التشجيع، ومعلمون يستعيدون سنوات من العطاء، ومؤسسات وطنية تعمل بصمت لضمان سير الامتحان بكفاءة وانضباط. وفي هذه الكتلة البشرية الهائلة من طاقات الشباب، يتضح جلياً أن الرهان الحقيقي لم يعد يتعلق بكمّ الخريجين فحسب، بل بنوعية المخرجات القادرة على مواكبة تحديات العصر الرقمي، والانتقال من مرحلة تلقي المعرفة إلى مرحلة إنتاجها وتوظيفها.
وفي هذه الصورة تتجلى الشراكة المجتمعية في أبهى معانيها؛ حيث يتحول النجاح من قضية فردية تخص الطالب وحده إلى مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمؤسسات، إيماناً بأن الاستثمار الحقيقي في الأوطان يبدأ من الاستثمار في الإنسان.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى أبنائنا الطلبة اليوم هي أن التوجيهي، رغم أهميته الكبيرة، ليس نهاية الطريق ولا اختزالاً لقيمة الإنسان وقدراته، بل هو محطة مهمة في مسيرة الحياة تتبعها محطات. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بدرجة امتحان فقط، بل بما يكتسبه الإنسان من قيم الاجتهاد والصبر والقدرة على النهوض ومواصلة التعلم؛ إذ أثبتت التجارب الحديثة أن المجتمعات المتقدمة لم تعد تنظر إلى التعليم باعتباره مجرد تراكم للمعرفة، بل كعملية متكاملة لبناء الشخصية وتنمية الكفايات الحياتية ومهارات التفكير الإبداعي وحل المشكلات، متجاوزاً هاجس المعدل الرقمي وحده إلى رحاب التميز البشري والمهني.
واليوم، وبينما يجلس آلاف الطلبة في قاعات الامتحان، فإنهم يخوضون اختباراً في الثقة بالنفس، وإدارة الضغوط، والقدرة على التركيز، وتحويل سنوات من الجهد إلى أداء متزن. وفي المقابل، فإن المجتمع كله مدعو إلى أن يكون شريكاً في صناعة الطمأنينة لا في صناعة القلق، وأن يحيط أبناءه برسائل الدعم والأمل، بعيداً عن تضخيم المخاوف. فالقلق المفرط يربك الأداء ويبدد الجهود، بينما "الطمأنينة الواعية" هي الملاذ الآمن الذي يحتاجه أبناؤنا ليقدموا أفضل ما لديهم، وليكون دور الأسرة هنا دور الحاضن النفسي لا المراقب والمحاسب.
وفي النهاية، سيخرج الطلبة من قاعات الامتحان كما دخلوا إليها؛ حاملين أحلامهم وطموحاتهم وإيمانهم بالمستقبل. أما الوطن، فسيبقى يراهن على هذه الطاقات الشابة باعتبارها الثروة الحقيقية التي تُبنى بها الأمم وتُصنع بها الإنجازات، فالتوجيهي في جوهره ليس مجرد امتحان، بل قصة أمل تتجدد كل عام، وحكاية وطن يؤمن بأن الاستثمار في أبنائه هو الطريق الأقصر نحو المستقبل.