حصانة راتب التقاعد في مواجهة خطر الحجز
موسى الصبيحي
26-06-2026 10:23 AM
قبل نحو عشر سنوات، وضمن مسؤوليّتي كناطقٍ رسمي باسم مؤسسة الضمان ينقل هموم وشكاوى المتقاعدين، طالبت مؤسستي من خلال مديرها العام، بأن يقوم ورئيس مجلس إدارتها بالتنسيق مع رئيس المجلس القضائي لإنقاذ متقاعدي الضمان من دوامة الحجز على رواتبهم، ولتوضيح وتفعيل الحماية القانونية المطلقة والصريحة التي جاءت في المادة (93) من قانون الضمان الاجتماعي.
هذه المادة لم تُشرّع عبثاً، بل وُجدت لتكون درعاً حامياً حافظاً للأمن المعيشي للمتقاعد وأسرته، حيث تحظر حظراً تاماً الحجز على راتب التقاعد أو راتب الاعتلال، إلا في حالتين حصريتين: دين النفقة أو دين مؤسسة الضمان، وبسقف لا يتجاوز 25% من الراتب، مع منح الأولوية المطلقة لدين النفقة لأنه يمس شريان الحياة والمعيشة اليومية.
مؤسسة الضمان الاجتماعي، من جانبها، ملتزمة حرفياً بهذا النص، وترفض تطبيق أي قرار حجز يصلها خارج هذين الاستثناءين، ثم تقوم بتحويل الراتب "المصون قانوناً" إلى الحساب البنكي للمتقاعد. ولكن، هنا تبدأ المشكلة، وهنا تبدأ عمليات الحجز على الراتب دون أي التفات للنص القانوني.
ما يحدث في أروقة البنوك يُعدّ انتهاكاً لحصانة الراتب، فإما أن تقوم البنوك بحجز الراتب كاملاً لصالح ذمم مالية تخصها، أو تنفذ قرارات حجز خارجي على الراتب في الحساب البنكي للمتقاعد دون أدنى مراعاة إلى أن "الراتب التقاعدي" محمي بقوة التشريع.
إن تحويل الراتب التقاعدي إلى الحساب البنكي لا يجرّده من هويته القانونية، ولا يرفع عنه الحصانة التشريعية ليتحول إلى مصدر حجز مطلق للجهات الدائنة.
هذا الإجراء ليس مجرد خطأ إجرائي، بل هو مساس مباشر بالأمن الاجتماعي، ومصادرة صريحة لحق الأسرة في العيش الكريم، وإفراغ لغاية راتب التقاعد من مضمونها الإنساني.
يجب أن يفهم الجميع أن راتب المتقاعد ليس ترفاً للمتقاعد، بل هو شريان حياته وربما كان الشريان الوحيد له ولأسرته، لا تملك أي مصدر دخل آخر سواه.
وفي كل الأحوال، وفي أسوأ الظروف، حتى لو كانت هناك ذمم مالية مستحقة على المتقاعد، فيجب ألّا تتجاوز إجراءات الحجز بأي حال من الأحوال سقف الـ 25% أسوةً بديون النفقة والضمان، ليبقى للمتقاعد وعائلته ما يسد رمق عيشهم.
إن حماية المتقاعد وأسرته وصون أمنهم المعيشي واجب قانوني وإنساني وأخلاقي، ومثلما التزمت مؤسسة الضمان بحماية هذا الحق، يجب على الجهات الأخرى أن تلتزم، وعلى الحكومة أن تتدخل لوضع حد لهذا التجاوز، وإلزام البنوك باحترام حصانة الراتب التقاعدي، وعدم المساس به خارج إطار ما يسمح به القانون.