facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصمت الوارث .. هل يُعد سكوته رضا؟


د.جلال الشورة
27-06-2026 06:27 PM

* أثر المانع الأدبي في تفسير سكوت الوارث بين الرضا الضمني وأحكام الشيوع

* قراءة في ضوء قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (758) لسنة 2026

يُعد السكوت من أكثر الوقائع القانونية دقة في القانون المدني، لأن دلالته لا تُفترض على وجه واحد، وإنما تختلف باختلاف طبيعة العلاقة بين الأطراف والظروف التي أحاطت بالواقعة. فالسكوت قد يكون قرينة على القبول في بعض الأحوال، وقد يكون مجرد موقف لا يحمل بذاته أي دلالة قانونية في أحوال أخرى. ومن هنا تبرز إحدى الإشكاليات الدقيقة في منازعات الشيوع بين الورثة: هل يكفي سكوت الوارث لافتراض رضاه باستئثار أحد الورثة بالمال الشائع، أم أن لهذا السكوت دلالة أخرى تفرضها طبيعة العلاقة الأسرية؟

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية عملية خاصة في دعاوى أجر المثل، وقد أعاد قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (758) لسنة 2026 طرحها عندما قرر أن يد الشريك على المال الشائع لا تصبح يدًا موجبة لأجر المثل إلا بعد تحقق المجاهرة والمغالبة، وربط تحققها بالمطالبة القضائية أو بالإنذار العدلي، ليبدأ احتساب أجر المثل من ذلك التاريخ، غير أن اعتماد هذا المعيار لا يمنع من التساؤل عن مدى كفايته في جميع الصور الواقعية التي قد تعرض على القضاء

ولا خلاف على أن هذا الاتجاه يحقق غاية مهمة تتمثل في استقرار المراكز القانونية، ويوفر معيارًا عمليًا لمحاكم الموضوع، ولا سيما في الحالات التي يصعب فيها تحديد تاريخ الاستئثار بالمال الشائع.

غير أن ذلك يثير تساؤلًا فقهيًا مشروعًا: هل يصلح هذا المعيار للتطبيق في جميع منازعات الورثة، أم أن خصوصية العلاقة الأسرية قد تؤثر في تفسير سكوت الوارث قبل توجيه الإنذار العدلي أو إقامة الدعوى؟

وتكشف التطبيقات القضائية في منازعات الشيوع أن كثيرًا من الورثة لا يبادرون إلى اللجوء للقضاء فور نشوء النزاع، ليس بالضرورة لأنهم رضوا باستئثار أحدهم بالعقار، وإنما لأنهم يفضلون منح الأسرة فرصة للتفاهم، أو يتجنبون تعميق الخلافات بين الإخوة والأقارب، أو يأملون في الوصول إلى تسوية ودية تحفظ الروابط العائلية.

وفي هذا السياق تبرز فكرة المانع الأدبي، وهي من المفاهيم المستقرة في الفقه المدني، ولا سيما في مجال الإثبات، حيث تؤخذ طبيعة العلاقة بين الأشخاص في الاعتبار عند تفسير بعض التصرفات أو الامتناع عنها. وإثارة هذه الفكرة هنا لا تستهدف نقل أحكام المانع الأدبي إلى دعاوى أجر المثل، وإنما الاستفادة من منطقه القانوني في مناقشة ما إذا كانت طبيعة العلاقة الأسرية قد تكون من العناصر التي تساعد المحكمة في تفسير سكوت الوارث عند تقدير الوقائع. ومن ثم، فإن الاستناد إلى فكرة المانع الأدبي هنا لا يرمي إلى تقرير أثر قانوني مستقل، وإنما إلى بيان أنه قد يكون من القرائن التي تساعد المحكمة على فهم سبب السكوت، متى كانت وقائع الدعوى تسمح بذلك.

ومن هنا، فإن الإشكالية الحقيقية لا تتمثل في قيمة الإنذار العدلي، وإنما في تفسير السكوت الذي سبقه. فإذا كان القانون يمنح المحكمة سلطة تقدير الوقائع والقرائن في ضوء ظروف كل دعوى، فمن المشروع التساؤل عما إذا كانت طبيعة العلاقة الأسرية قد تكون عنصرًا يساعد في تفسير هذا السكوت، دون أن يُفترض تلقائيًا أنه يعبر عن رضا ضمني.

ولا يتعلق الأمر هنا بإنشاء قاعدة قانونية جديدة، وإنما بإعمال مبدأ أصيل مؤداه أن الوقائع لا تُفسر بمعزل عن سياقها، وأن القرائن لا تُقدَّر بعيدًا عن الظروف التي نشأت فيها. فالعدالة القضائية لا تتحقق بمجرد التطبيق المجرد للنصوص، وإنما تبدأ بفهم صحيح للوقائع، لأن الواقعة هي محل إنزال النص، وكل خطأ في فهمها قد يقود إلى خطأ في تطبيق القانون عليها.

ومن ثم، فإن جوهر الإشكالية لا يتعلق بمدى حجية الإنذار العدلي أو المطالبة القضائية، وإنما بحدود سلطة المحكمة في تقدير الوقائع السابقة عليهما. فإذا كان تقدير الوقائع والقرائن من إطلاقات محكمة الموضوع، فإن التساؤل يظل مشروعًا حول ما إذا كانت طبيعة العلاقة الأسرية تدخل ضمن العناصر التي يجوز للمحكمة مراعاتها عند تفسير دلالة سكوت الوارث.

ولذلك، قد يكون من الملائم التمييز بين حالتين؛ الأولى عندما تخلو الدعوى من بينة تحدد تاريخ الاستئثار، ففي هذه الحالة قد يكون الإنذار العدلي معيارًا عمليًا لتحديد بداية الاستحقاق. أما الثانية، عندما تثبت البينات أن الاستئثار المانع كان قائمًا قبل ذلك، فإن البحث لا ينصرف إلى تاريخ الإنذار وحده، وإنما يمتد إلى تفسير سبب تأخر المطالبة، وما إذا كان هذا التأخر يجد تفسيره في مانع أدبي، أو في رضا ضمني، وهي مسألة تبقى خاضعة لتقدير محكمة الموضوع في ضوء ظروف كل دعوى وبيناتها.

وليس المقصود من هذا الطرح إنشاء استثناء جديد من القواعد التي تحكم استحقاق أجر المثل، ولا تجاوز ما استقر عليه الاجتهاد القضائي، وإنما التأكيد على أن استخلاص دلالة الوقائع لا ينفصل عن ظروفها. فإذا كانت طبيعة العلاقة بين الخصوم تؤخذ في الاعتبار عند تقدير كثير من القرائن، فإن التساؤل يظل مشروعًا حول مدى إمكان الاستفادة من هذه الطبيعة عند تفسير سكوت الوارث، متى دلت وقائع الدعوى وبيناتها على أن هذا السكوت لم يكن وليد الرضا، وإنما نتيجة اعتبارات أسرية أو اجتماعية. ويبقى الفصل في ذلك، بطبيعة الحال، خاضعًا لسلطة القضاء وتطور الاجتهاد.

وقد لا تكون أهمية هذا النقاش في الوصول إلى إجابة واحدة، بقدر ما تكمن في ترسيخ منهج قانوني مؤداه أن تفسير الوقائع يسبق تطبيق النصوص، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد وجود قاعدة قانونية، وإنما بحسن فهم الواقع الذي تنزل عليه. ولعل هذا هو السؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام الفقه والقضاء: هل يكفي سكوت الوارث لافتراض رضاه، أم أن العدالة تقتضي البحث أولًا في السبب الذي أوجب هذا السكوت قبل ترتيب آثاره القانونية؟

ولعل إثارة هذا التساؤل اليوم لا تستهدف تغيير قاعدة مستقرة، بقدر ما تستهدف الإسهام في تطوير الحوار الفقهي حول كيفية فهم الوقائع في المنازعات الأسرية، بما ينسجم مع المبادئ العامة للقانون المدني ورسالة القضاء في تحقيق العدالة، ويبقى تطوير هذه الإشكالية رهينًا بما سيستقر عليه الاجتهاد القضائي، وما سيقدمه الفقه من رؤى تسهم في تحقيق التوازن بين استقرار المعاملات، وخصوصية الروابط الأسرية، وضمان حماية الحقوق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :