الهُدنة التي لا تشبه السلام
د. ذيب القراله
28-06-2026 08:38 AM
لم يكن شهر حزيران الجاري، شهراً عادياً في مسار التحولات الإقليمية والدولية، بل يمكن اعتباره شهراً انتقالياً بين حرب مفتوحة لم تُحسم، وتسويات أولية لم تنضج بعد، وترتيبات أمنية يجري اختبارها تحت النار في اكثر من منطقة جغرافية.
وبعيداً عن اجواء التفاؤل وظلال التشاؤم،التي يصنعها تأكيد ( ترامبي )من هنا، او تكذيب ( ايراني ) من هناك، يبدو أن الخطأ الأكبر في قراءة ما جرى خلال الفترة الماضية هو الاعتقاد بأن المنطقة تتجه نحو الاستقرار، مع ان المشهد الإقليمي لا يوحي بانتهاء الصراع بقدر ما يكشف عن انتقاله إلى مرحلة جديدة تتبدل فيها الأدوات وتبقى الأهداف الكبرى على حالها.
لقد شهد الشهر الجاري سلسلة تطورات بدت للوهلة الأولى وكأنها مؤشرات تهدئة، مذكرة تفاهم أمريكية – إيرانية، واتفاق إطار بين إسرائيل ولبنان، وانخفاض نسبي في احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن ما يجري ليس صناعة سلام بقدر ما هو إعادة تنظيم لموازين القوة بعد جولة صدام لم تحقق لأي طرف نصراً حاسماً.
ويمثل التفاهم الأمريكي – الإيراني أوضح مثال على ذلك، فهو لم يأت نتيجة ثقة متبادلة أو تقارب سياسي، بل نتيجة إدراك متبادل لكلفة المواجهة المفتوحة، فواشنطن لا تريد الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة في الخليج والشرق الأوسط، فيما تدرك طهران أن بلوغ التصعيد ذروته يحمل مخاطر اقتصادية وأمنية قد تهدد استقرارها وربما مستقبلها.
والمشكلة الاساس هنا، هي أن هذا التفاهم وُلِد في بيئة ما تزال أسباب الصراع فيها قائمة، فالخلاف حول النفوذ الإقليمي، وبرامج التسلح، وشبكات الحلفاء والوكلاء، ومستقبل مضيق هرمز، لم يُحسم فعلياً، لذلك ستبقى الهدنة الحالية التي جرى خرقها اكثر من مرة، أقرب إلى ( محطة توقف اجبارية تكتيكية) منها، إلى تسوية استراتيجية طويلة الأمد.
ولذلك، فمن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة اختبارات متكررة لحدود هذا التفاهم، ومحاولات متعددة الاوجه لخرقة سواء في الخليج والمسار العُماني، أو في العراق ولبنان، دون أن تصل الأمور بالضرورة إلى انهياره الكامل.
على الساحة العالمية، تواصل القوى الكبرى إعادة تموضعها داخل النظام الدولي المتغير، فعلى الرغم من ان المتحدة ما زالت اللاعب الأكثر تأثيراً عسكرياً وسياسياً، الا انها لم تعد قادرة على فرض ترتيبات نهائية منفردة كما كانت تفعل في مراحل سابقة.
وترسًخ الصين موقعها بوصفها المستفيد الهادئ من التوترات الدولية، إذ تحتاج جميع الأطراف تقريباً إلى علاقاتها الاقتصادية وأسواقها ومنتجاتها وقدراتها الاستثمارية، فيما تتحرك أوروبا بحذر بين الخوف من الفراغ الأمريكي والرغبة في امتلاك هامش سياسي مستقل.
وتراقب روسيا التطورات من زاوية مختلفة، فكل انشغال أمريكي إضافي في الشرق الأوسط يمنح موسكو هامشاً أوسع للمناورة في ملفات أخرى، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية، ولذلك فمن غير المستبعد ان تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً روسياً محسوباً يهدف إلى استثمار تشتت الأولويات الغربية.
عربياً، يبرز لبنان باعتباره الساحة الأكثر حساسية خلال المرحلة المقبلة، فالاتفاق الموقع برعاية أمريكية لا يحل المعضلة الأساسية المتعلقة بمستقبل سلاح حزب الله ودوره داخل الدولة اللبنانية،بل يمكن القول إن ( التنفيذ )سيكون أصعب بكثير من ( التوقيع ) في ضوء احتمالية التنامي البطيء لقاعدة المعارضين له في الساحة اللبنانية، خشية من احتمالات التصادم الداخلي.
وفي هذا السياق، سيتمسك حزب الله - ما استطاع الى ذلك سبيلا - بأوراق قوته ونفوذه الداخلي،وحسابات ايران، لكنه سيواجه ضغوطاً متزايدة تختلف في طبيعتها عن الضغوط العسكرية التي عرفها خلال السنوات الماضية.
وسيبقى العراق، إحدى الساحات الرئيسية للتجاذب الأمريكي – الإيراني، فكل تراجع لنفوذ طهران في ساحة إقليمية سيدفعها إلى التشبث بأوراقها في ساحات أخرى، لذلك تبدو بغداد مرشحة لمزيد من الصراع السياسي الهادئ بين القوى الساعية إلى المحافظة على التوازن مع طهران، وتلك التي ترى أن مستقبل العراق يتطلب تقليص الاعتماد على المحور الإيراني.
وفي سوريا، تتجه الأمور نحو مزيد من التعقيد، فالدولة التي خرجت من مرحلة إسقاط النظام السابق لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار الكامل، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمريكية والتركية والإسرائيلية في آن واحد.
ان الحديث المتزايد عن أدوار سورية محتملة في ملفات إقليمية تتجاوز حدودها، يشي بأن دمشق ستصبح جزءاً من ترتيبات ما بعد المواجهة مع إيران، وانها تواجه معادلة شديدة الحساسية، فهي تحتاج إلى الاعتراف والدعم الخارجي، لكنها تدرك أن الذهاب بعيداً في بعض المسارات الإقليمية قد يفتح عليها أبواب أزمات داخلية وخارجية يصعب احتواؤها.
لهذه الاسباب مجتمعة، يبدو أن الأشهر المقبلة ستتسم بسياسة المناورة أكثر من الحسم، فلا أحد يملك القدرة على فرض رؤيته كاملة، ولا أحد مستعد للتراجع الكامل عن مصالحه.
والقراءة المنطقية، تشير الى أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة ما بعد الحرب المباشرة، لكنها لم تدخل مرحلة ما بعد الصراع، فالهُدن الحالية ( التي تغيب عنها متطلبات التسوية الشاملة، وتستمر خلالها المعاناة الانسانية، وتتسم بالهشاشة والترقب ) تبدو أقرب إلى ترتيبات مؤقتة لإدارة التنافس وليس لإنهائه.
أما خرائط النفوذ، فهي ما تزال قيد اعادة الرسم والتعديل والجدولة، وما يجري اليوم قد يكون مجرد فصل انتقالي يمهد لتحولات أكبر ستظهر ملامحها الحقيقية خلال العام المقبل، والسؤال المركزي الذي يجب ان يٌطرح هو ، حول الشكل الذي ستتخذه المواجهة المقبلة، وأين ستكون ساحتها الرئيسية؟ ودور اسرائيل فيها، بدلاً من ( اهدار ) الوقت على الشاشات والمنصات للاجابة على سؤال لم يحن وقته بعد، بشأن من هو المنتصر امريكا ام ايران؟.
[email protected]