حين تفرق السياسة .. تجمعنا الرياضة .. شكرا للنشامى ..
محمد مطلب المجالي
28-06-2026 09:52 AM
منذ عقود طويلة، تجلس السياسة على طاولات المفاوضات، وتعقد المؤتمرات والقمم، وتُبرم الاتفاقيات وتُصدر البيانات، ومع ذلك تبقى كثير من الخلافات عالقة، وكثير من الجسور مقطوعة، وكثير من القلوب متباعدة. لكن ما إن تنطلق صافرة مباراة، أو يرفع منتخبٌ وطني راية بلاده في محفل دولي، حتى يتغير المشهد بأكمله، وتتحول الاختلافات إلى حالة من التوافق والفرح المشترك.
فالرياضة ليست مجرد لعبة أو منافسة على كأس وميدالية، بل أصبحت لغة عالمية قادرة على اختراق الحواجز التي تعجز عنها السياسة. إنها لغة المشاعر الصادقة، والانتماء النقي، والفرح الذي لا يحتاج إلى مترجم أو وسيط.
وفي عالم أنهكته الصراعات والخلافات والتجاذبات، تبدو الرياضة رسول سلام يحمل رسالة أبسط وأصدق من كثير من الخطب السياسية. فهي تجمع المختلفين حول هدف واحد، وتُخضع الجميع لقواعد واحدة، وتُعلّم احترام المنافس والاعتراف بالإنجاز وقبول الخسارة بروح حضارية.
ولعل التجربة الأردنية كانت شاهداً حياً على هذه الحقيقة. فعندما أبدع النشامى وحققوا الإنجازات التي رفعت اسم الأردن عالياً، التف الأردنيون جميعاً حول منتخبهم الوطني. لم يسأل أحد عن انتماء سياسي أو خلفية فكرية أو موقع اجتماعي، بل كان الجميع يقفون خلف العلم الأردني، يهتفون باسم الوطن ويفرحون لإنجازه.
لقد نجح النشامى في تحقيق ما عجز عنه كثير من السياسيين. ففي الوقت الذي اختلف فيه الناس حول البرامج والمواقف والشخصيات، اتفقوا على منتخبهم الوطني. وفي الوقت الذي انفضّ فيه كثيرون من حول بعض السياسيين بسبب الخلافات والتجاذبات والمصالح، بقي النشامى نقطة التقاء نادرة اجتمعت عندها القلوب قبل العقول.
وهنا يكمن الفرق بين الإنجاز الحقيقي والشعارات العابرة. فالإنجاز يجمع الناس دون دعوة، ويصنع الالتفاف الشعبي دون حملات ترويج، ويكسب الاحترام بالفعل والنتائج والنجاحات المتحققة على أرض الواقع. أما الشعارات الرنانة والخطب الطويلة فإنها قد تملأ المنابر ووسائل الإعلام، لكنها كثيراً ما تعجز عن الوصول إلى القلوب أو إحداث الأثر الذي يصنعه الإنجاز.
ولذلك فإن الرياضة أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات القوة الناعمة في العالم، لأنها تخاطب الإنسان في وجدانه، وتمنحه سبباً للفخر والانتماء. وقد أثبتت التجارب أن مباراة واحدة ناجحة قد تفتح نوافذ للتقارب بين الشعوب أكثر مما تفعله سنوات من الخطابات السياسية المتشنجة.
إن العالم اليوم بحاجة إلى مزيد من الملاعب وأقل من المتاريس، وإلى بطولات تجمع الشعوب بدلاً من أن تفرقها، وإلى روح رياضية تمتد من الميدان إلى الحياة العامة. فربما كانت كرة صغيرة تتقاذفها الأقدام قادرة على جمع ما فرّقته المصالح، وبناء ما هدمته الخلافات.
لقد اختلف الأردنيون حول كثير من السياسيين، لكنهم اتفقوا على النشامى، لأن الإنجاز الصادق يوحّد حيث تفشل الخطب، ويجمع حيث تعجز السياسة. وهكذا تثبت الأيام مرة بعد أخرى أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل مشروع وطني وإنساني قادر على أن يحقق ما لم تحققه السياسة، وأن يجمع القلوب حين تعجز المصالح عن جمع المواقف.