الامتحانات الأردنية .. قراءة في الأزمة وضرورة التطوير
أمل محي الدين الكردي
29-06-2026 09:11 AM
في الوقت الذي تستهلك فيه نقاشاتنا التعليمية المعاصرة البحث عن بدائل للامتحانات، يغيب عن أذهان الكثيرين أننا نكرر أخطاءً ومعضلاتٍ تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، إذ تشير السجلات التراثية لتاريخ التعليم إلى أن بذور فكرة الامتحانات كأداة لتقييم الكفاءة والخدمة المدنية قد نبتت في الحضارة الصينية القديمة منذ عهود غابرة، حيث ارتبطت في الذاكرة التاريخية بمساعي الإدارة المركزية لاختيار الموظفين الأكفاء. ورغم الاعتقاد الشائع بقدم الامتحانات، إلا أن العودة للوثائق التاريخية الموثقة تكشف أن بعض المؤرخين يؤكدون عدم العثور على أي وثيقة رسمية تدل على عقد امتحان تحريري بالمعنى المؤسسي الذي نعرفه في أي مملكة أوروبية قبل عام 1702 ميلادي، وهي السنة التي يُشار إليها تاريخياً كبداية لإدخال هذا النوع من الاختبارات بصورته الأولية. إن استحضار هذا التاريخ يُظهر لنا أن الامتحانات لم تكن يوماً قدراً لا مفر منه، بل نظاماً بشرياً خضع للتطور والتبديل.
وفي واقعنا الأردني اليوم، ومع ما يشهده نظام الثانوية العامة في السنوات الأخيرة من ضغوط نفسية ومادية خانقة على الطلاب وأولياء الأمور، باتت الامتحانات أشبه بعاصفةٍ تُرهق كاهل الأسرة دون طائل حقيقي. إن الامتحانات المتبعة الآن، التي تعتمد على رؤوس موضوعات إنشائية، تستغرق من التلاميذ وقتاً طويلاً ومجهوداً ذهنياً مرهقاً. والأخطر من ذلك هو "ذاتية التصحيح" التي أثبتت دقة الباحثين فيها أن المصححين يختلفون اختلافاً بيناً في تقدير الدرجات، مما يُفضي إلى نتائج ظالمة قد تمنح التلميذ الراسب درجة النجاح وتظلم الناجح ليرسب، وهو ما يؤكد أن النتائج الحالية لا يمكن الاعتماد عليها كقياس دقيق.
إن المعارضين لهذا النظام لا يقفون عند حد النقد، بل ابتكروا طرقاً حديثة، فمنهم من دعا لمقاييس الذكاء رغم ما يحيط بها من شكوك، ومنهم من طالب بالإدارة الفنية لوضع الأسئلة من قبل خبراء المناهج لضمان العدالة. إن التجربة الأردنية في تطوير الثانوية العامة تستحق وقفة شجاعة؛ فالانتقال نحو التقييم التراكمي ليس ترفاً، بل ضرورة ملحة لإنقاذ جيل كامل، بحيث لا نعتمد على درجة امتحان واحد، بل على سجل إنجازات يوثق المهارات والمبادرات والتطور المعرفي على مدار سنوات الدراسة.
إن هذه الحاجة للإصلاح لا تقف عند حدود التنظير، بل تزداد إلحاحاً اليوم ونحن نعيش ذروة موسم امتحانات الثانوية العامة في الأردن، حيث تتحول المنازل إلى ساحات طوارئ، وتُستنزف الطاقات النفسية والمادية للأسر في انتظار نتائج تقرّر مصير الأبناء بناءً على معايير لم تعد تواكب روح العصر. إن التغيير المنشود الذي ننادي به هو استحقاقٌ وطنيّ، يهدف إلى تحرير طاقات طلبتنا من سجن "الورقة والقلم"، واستبدالها بنظام تقييمٍ شموليّ يحترمُ الفروق الفردية، ويقيسُ الإبداع والمهارة لا الحفظ والاسترجاع، ليكون نظامنا التعليمي جسراً حقيقياً نحو المستقبل، لا عائقاً أمام طموح أجيالٍ تستحقُّ فرصاً أكثر عدالةً وإنسانية. إن هذا النظام المأمول يجب أن يفتح أبواباً جديدة لمن تعثروا في مسارهم الدراسي، مانحاً إياهم فرصة ثانية عبر آليات تقييم مرنة لا تنهي أحلامهم عند عتبة "الرسوب"، بل تعيد اكتشاف شغفهم وتدفعهم نحو تحقيق طموحاتهم التي لم تخفت، لتظل الثانوية العامة محطة للعبور نحو النجاح، لا نهاية للطريق.