ولي العهد… حين تُبنى القيادة قبل أن تُمارس
صالح الشرّاب العبادي
29-06-2026 02:00 PM
في كل عام، تتكرر عبارات التهنئة في عيد ميلاد سمو ولي العهد، وتمتلئ صفحات الإعلام بكلمات المحبة والدعاء، وهي مشاعر صادقة تستحق التقدير. لكن ما يستحق التوقف عنده ليس المناسبة بحد ذاتها، وإنما التجربة التي يمثلها هذا الموقع في الدولة الأردنية.
فالقيادة ليست لحظة يتسلم فيها الإنسان منصبًا، بل رحلة طويلة من البناء والإعداد والتعلم وتحمل المسؤولية ، وهذا ما يميز المدرسة الهاشمية في إعداد القادة؛ إذ لا تُصنع القيادة في المكاتب، وإنما في الميدان، وبين الناس، ومن خلال الاحتكاك المباشر بمؤسسات الدولة وتحدياتها.
لقد اعتاد الأردنيون أن يروا سمو ولي العهد حاضرًا في مواقع العمل، يزور المحافظات، ويشارك القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تدريباتها، ويلتقي الشباب ورواد الأعمال، ويتابع المشاريع التنموية، ويشارك في اللقاءات السياسية والاقتصادية ، هذه المشاهد ليست بروتوكولًا إعلاميًا، بل جزء من فلسفة تقوم على أن من سيحمل مسؤولية المستقبل يجب أن يعرف تفاصيل الحاضر.
إن الدول التي تستمر هي تلك التي تستثمر في استدامة القيادة، فلا تترك انتقال المسؤولية للظروف أو المفاجآت، بل تبني الخبرة عامًا بعد عام، وتراكم المعرفة والتجربة قبل أن يصبح القرار في يد القائد ، وهذه إحدى نقاط القوة في الدولة الأردنية، التي جعلت من إعداد القيادات نهجًا مؤسسيًا، لا اجتهادًا شخصيًا.
وفي عالم يموج بالأزمات، حيث تتغير التحالفات وتتبدل موازين القوى بوتيرة غير مسبوقة، تصبح الخبرة المتراكمة عنصرًا أساسيًا في حماية الدولة وصيانة استقرارها ، ومن هنا تأتي أهمية أن يكون ولي العهد شريكًا في متابعة الملفات الوطنية، ومطلعًا على تعقيداتها، وقريبًا من تفاصيلها، ليكون المستقبل امتدادًا طبيعيًا للحاضر، لا قطيعة معه.
ولا يقتصر هذا الدور على السياسة وحدها، بل يمتد إلى بناء علاقة جديدة مع الشباب الأردني، قوامها الحوار، والعمل، والابتكار، والإيمان بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان. فجيل اليوم لا يبحث عن الخطابات بقدر ما يبحث عن القدوة، وعن من يشاركه التحديات ويؤمن بقدرته على الإنجاز.
إن قيمة التجربة لا تُقاس بعدد الزيارات أو المناسبات، وإنما بما ترسخه من ثقافة مؤسسية، تؤمن بأن القيادة مسؤولية تُكتسب بالتعلم والممارسة والانضباط، قبل أن تكون صلاحية يمنحها الدستور.
وفي عيد ميلاد سمو ولي العهد، قد تكون أجمل التهاني هي أن يبقى هذا النهج قائمًا؛ نهج إعداد القادة، وترسيخ العمل المؤسسي، وتعزيز ثقة الأردنيين بأن دولتهم لا تبني حاضرها فحسب، بل تبني مستقبلها أيضًا، بعقل الدولة، وحكمة القيادة، وإرادة شعب آمن بوطنه وسيبقى وفيًا له.