إيران بين التكتيك والاستراتيجية: مكسبٌ قصير الأجل .. وخسارةٌ بعيدة المدى
د. عبدالحفيظ العجلوني
01-07-2026 08:49 AM
في علم السياسة الدولية، كثيرًا ما تحقق الدول مكاسب تكتيكية خاطفة تحت وطأة الأزمات، إلا أن هذه الإنجازات اللحظية نادرًا ما تتحول إلى ركائز استراتيجية مستدامة. ويعلمنا التاريخ أن كفاءة الدول لا تُقاس بقدرتها على المناورة في ذروة الصراع فحسب، بل بمدى نجاحها في تحويل اللحظات الحرجة إلى استقرار سياسي، وازدهار اقتصادي، وعلاقات دولية متوازنة. ومن هذا المنظور، تبدو إيران اليوم أمام اختبار استراتيجي حقيقي؛ فإما أن تُحسن استثمار مكاسبها التكتيكية في إعادة التموضع داخل النظام الدولي، وإما أن تُبددها بسياسات قد تفضي إلى عزلة أشد وخسائر أبعد مدى.
وفي هذا السياق، يلفت المنظّر العسكري الصيني Sun Tzu إلى أن:
“الاستراتيجية من دون تكتيك هي أبطأ طريق إلى النصر، والتكتيك من دون استراتيجية هو الضجيج الذي يسبق الهزيمة.”
لقد أتاح التصعيد العسكري الأخير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لطهران فرصة لإعادة إبراز ثقلها الجيوسياسي عبر ورقة مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لأمن الطاقة والتجارة العالمية. ولا شك أن امتلاك القدرة على التأثير في أمن الملاحة داخل هذا المضيق منح إيران أداة ضغط سياسية وإعلامية خلال الأزمة، وأسهم في التخفيف من وطأة الضغوط التي واجهتها خلال المواجهة العسكرية.
غير أن ثمة فارقًا جوهريًا بين امتلاك ورقة ضغط ظرفية، وبين الادعاء بامتلاك حق قانوني دائم. فمضيق هرمز ليس ممرًا سياديًا مغلقًا، بل هو ممر بحري دولي تحكمه قواعد القانون الدولي المنظمة للملاحة البحرية والمبادئ المستقرة في قانون البحار، وترتبط به مصالح استراتيجية واقتصادية لعشرات الدول. ومن ثم، فإن أي محاولة لتفسير تفاهمات سياسية ثنائية أو تطورات ميدانية على أنها تمنح دولة بعينها حق إدارة هذا الممر أو فرض وصاية عليه، تظل قراءة سياسية لا تستند إلى أساس قانوني ولا تحظى بقبول في الممارسة الدولية المستقرة.
وهنا يبرز التحدي الاستراتيجي الحقيقي؛ إذ إن أي تحرك يُفهم منه السعي إلى فرض هيمنة دائمة على المضيق أو تقييد حرية الملاحة فيه، لن يُنظر إليه باعتباره خلافًا إقليميًا أو ثنائيًا، بل بوصفه مساسًا بأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. فحرية الملاحة في الممرات الدولية ليست امتيازًا تمنحه دولة لأخرى، وإنما مبدأ راسخ يقوم عليه النظام التجاري العالمي، وتتقاطع عند حمايته مصالح مختلف القوى الدولية على اختلاف توجهاتها.
إن المعضلة الحقيقية التي تواجه صانع القرار في طهران لا تكمن في تعظيم المكاسب التكتيكية، وإنما في كيفية توظيفها ضمن رؤية استراتيجية أشمل تقوم على الانفتاح والاستقرار. فإذا كانت التفاهمات الدولية الأخيرة قد فتحت نافذة أمام إيران للخروج من دائرة العزلة، فإن الحكمة السياسية تقتضي استثمار هذه الفرصة في تعزيز اندماجها في النظام الدولي، وتوجيه مواردها نحو التنمية الاقتصادية، وتحسين مستوى معيشة مواطنيها، وبناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار، بعيدًا عن سياسات الاستقطاب الإقليمي، أو الاعتماد المفرط على الفاعلين من غير الدول كوسائل لتوسيع النفوذ الإقليمي.
وفي الإطار القانوني، فإن تحميل أي تفاهمات أو اتفاقات ثنائية آثارًا تتجاوز أطرافها المباشرين يتعارض مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي، التي تقضي بأن الاتفاقات لا تنشئ حقوقًا أو التزامات على عاتق الدول الأخرى دون رضاها الصريح. ومن ثم، فإن أي تفسير يفترض أن اتفاقًا ثنائيًا يمكن أن يغيّر الوضع القانوني لممر بحري دولي تمس أهميته مصالح المجتمع الدولي بأسره، يظل استنتاجًا سياسيًا لا يغير من طبيعة المركز القانوني للمضيق.
ولعل المفارقة الجيوسياسية الأبرز تتمثل في أن أي محاولة لفرض واقع أحادي في مضيق هرمز قد تسفر عن نتائج معاكسة تمامًا لما قد تطمح إليه طهران. فبدلًا من تعزيز نفوذها الإقليمي، قد تجد نفسها أمام توافق دولي واسع لا يقتصر على خصومها التقليديين، بل يمتد إلى شركاء رئيسيين على المستوى السياسي والاقتصادي. فالدول التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، وفي مقدمتها روسيا والصين والهند، تعتمد بدرجات متفاوتة على أمن هذا الممر الحيوي وانسيابية حركة التجارة والطاقة عبره، الأمر الذي يجعلها شديدة الحرص على استقراره ورفض أي إجراءات قد تهدد حرية الملاحة فيه. وفي نهاية المطاف، فإن مصالح الدول تُحكم غالبًا باعتبارات الأمن القومي والاقتصاد، أكثر مما تُحكم باعتبارات التقارب السياسي.
إن التمييز بين التكتيك والاستراتيجية ليس ترفًا فكريًا، بل هو جوهر صناعة القرار الرشيد. فقد يمنح التكتيك انتصارًا سريعًا في جولة من جولات الصراع، لكنه قد يتحول إلى عبء استراتيجي إذا أدى إلى استعداء المجتمع الدولي وتبديد فرص التنمية والانفتاح واكتساب الشرعية الدولية. أما الاستراتيجية الناجحة، فهي التي تحول الموقع الجغرافي من مصدر توتر إلى منصة تعاون، وتحول عناصر القوة إلى أدوات لبناء الشراكات وتعزيز المصالح المشتركة، لا إلى وسائل لفرض الإرادة على الآخرين.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل ستتعامل إيران مع مضيق هرمز باعتباره ورقة ضغط مؤقتة فرضتها ظروف الصراع، أم ستسعى إلى تحويله إلى أداة نفوذ دائمة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل علاقاتها الإقليمية فحسب، بل سترسم أيضًا موقعها في النظام الدولي خلال العقود المقبلة. فالتكتيك قد يصنع انتصارًا مؤقتًا، أما الاستراتيجية فهي التي تصنع التاريخ.