في الوقت الذي تلتقط فيه سوريا انفاسها بعد سنوات طوال عجاف من الحرب الاهلية جعلت ما يزيد عن ثلث شعبها ما بين نازح ولاجئ يخرج تصريح الرئيس الاميركي ترامب حول السعي لان تقوم دمشق بما فشل فيه جيش الاحتلال من القضاء على حزب الله في لبنان ، وهنا لا يخفى ان ترامب يريد ان يستفيد وبشكل مبطن من ارث الذاكرة السورية التي ما زالت تحمل للحزب اللبناني دوره الكبير في مساعدة نظام الاسد في قمع ثورة الشعب السوري في ثورته ، فضلاً عن دوره في جعل سوريا منتجاً بل ومنفذاً للمخدرات التي عانى منها السوريين ودول الجوار على حد سواء ، وفي ذلك لا يخفى ان هنالك ما يحاك ضد دمشق من بوابة فشل حكومة نتنياهو في لبنان ومساعدة الحكومة اللبنانية في بسط قرارها السياسي واخراط دمشق الجديدة في المعادلة الاقليمية .
المعلوم ان الذاكرتين السورية واللبنانية تحملان مشاهد مؤلمة واحدة عن التدخل العسكري المباشر الثنائي بينهما ، فما زال اللبنانيون ممن عاشروا تدخل نظام الاسد الاب والابن العسكري في بلادهم خلال سنيين الحرب الاهلية اللبنانية يتحدثون عن كون هذا التدخل ساهم بإطالة الحرب من خلال استمرار خربطة القطاعات للمليشيات الطائفية في بلادهم لمصلحته الخاصة ، بل ويتندرون ان سيارة البيجو 504 القديمة التي كان يستعملها المسؤولين الامنيين السوريين المعنيين بالملف اللبناني قادرة على تنصيب رئيس للجمهورية اللبنانية ان فشل المجلس النيابي في ذلك ، اما السوريين فما زالت اهوال تدخل حزب الله في بابا عمرو وحمص وحلب والغوطة طازجة لديهم .
عموما يبدو ان الادارة السورية الجديدة فطنة لما يحاك ضد سوريا الجديدة من خلال استعمالها كورقة تفاوض امريكية ضد ايران أي بمعنى اخر لا تريد ان تنتقل من تحت المزراب الايراني لتغدو تحت ماء الدلف الاميركي والاسرائيلي ، وفي ذلك كان تأكيد هذه الادارة انها تبحث عن علاقات سليمة مع لبنان وتتمنى له كل الخير وهي ليست في وارد بناء نفسها من خلال التورط في المستنقع اللبناني الذي ان عُرف متى يبدا فهو المجهول بوقت نهايته ، ومعلوم جيداً ان هذا التدخل ان حصل سيأزم الواقع في سوريا التي تبحث عن المصالحة بين مكونات شعبها لتجاوز سيناريو ومآلات الحرب الاهلية فضلاً ما سيجلبه هذا التدخل من تأزيم ليس على مستوى البلدين الجارين بل وسيصل اثره السيء الى جوارهما الاقليمي خاصة في العراق وايران وتركيا والخليج العربي .
العرب مطالبون بمساعدة سوريا الجديدة بالنأي عن نفسها في التورط بالقيام بالأدوار الكارثية التي فشل فيها الاخرون ، فهم الذين خبروا جيداً عدم استقرار هذا البلد ذو الموقع الجيوسياسي المهم في المنطقة وعانوا بما فيه الكفاية من زعزعة اوضاعه ، وهم ايضاً يدركون جيداً عبر تاريخهم ان واشنطن "لا ترمى كسرة خبزها الا على رغيف" كما يقول مثلهم الشعبي ، ومعلوم جيداً لديهم ان هذا الرغيف سيكون بلا شك من نصيب الحليف المدلل الذي يعاني معضلة كارثية استراتيجية في هذا الوقت .