رهانات التغيير السياسي في إسرائيل بين المأمول والواقع المأزوم
د. عمر الرداد
01-07-2026 04:05 PM
يترقب الإعلام العالمي وفي المنطقة نتائج الانتخابات الاسرائيلية القادمة ، وكيف سيكون شكل ومضمون الحكومة الإسرائيلية التي تنبثق عن هذه الانتخابات،ويُنظر لهذه الانتخابات من أطراف كثيرة محلية واقليمية ودولية، باعتبارها فرصة محتملة لإعادة رسم ملامح السياسة الإسرائيلية، وبما قد يفتح نافذة جديدة أمام مسارات السلام والتطبيع التي تعطّلت بفعل سياسات اليمين المتطرف، لكن تقديرات كثيرة ترجح ان هذه الانتخابات ربما تحدث تغييرا بالوجوه، لكنها لن تغير في الثوابت الاسرائيلية بمرجعياتها الامنية، خاصة التي تعززت بعد السابع من أكتوبر عام 2023 وتداعياتها في الإقليم.
وفي الوقت الذي تبني فيه واشنطن مقارباتها على اساس ان التغيير السياسي في إسرائيل سيشكل فرصة لإعادة إحياء مسار التسوية الذي تراجع خلال السنوات الأخيرة،وأن انتخاب حكومة أقل ارتباطاً باليمين المتطرف قد يسهل إعادة إطلاق مفاوضات، ولو بشكل محدود، ويمنحها هامشاً أوسع لإدارة ملفات المنطقة، وانه بوجود حكومة إسرائيلية أكثر براغماتية، تنفتح امام واشنطن مساحات على التنسيق الأمني دون أن تُحرجها أمام الرأي العام الدولي، فان العواصم الأوروبية تشارك امريكا هذا التقدير، وترى أن استمرار نتنياهو وحلفائه المتشددين يعرقل أي جهد لإعادة بناء الثقة بين إسرائيل والفلسطينيين، ويضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على لعب دور الوسيط، وتراهن اوروبا على حكومة جديدة أكثر انفتاحاً، تسمح بإعادة إطلاق مبادرات التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والبحث العلمي، وتخفف من حدة التوترات التي انعكست على علاقاتها مع دول المنطقة.
ومع كل ذلك، فان الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تحمل انعكاسات مباشرة على مسار التطبيع العربي – الإسرائيلي، فالدول التي وقّعت اتفاقيات تطبيع خلال السنوات الماضية، مثل الإمارات والبحرين والمغرب، تترقب نتائج الانتخابات لتحديد مدى قدرتها على توسيع نطاق التعاون مع إسرائيل، ويرجح ان حكومة جديدة بوجوه أكثر براغماتية قد تمنح هذه الدول غطاءً سياسياً لتسريع مشاريع اقتصادية وأمنية مشتركة، وتخفيف الانتقادات الداخلية التي تواجهها بسبب العلاقة مع إسرائيل، وبالمقابل فان استمرار نتنياهو أو صعود قوى يمينية متشددة سيضع هذه الدول أمام خيارات صعبة، فإما تجميد خطوات التطبيع أو الاكتفاء بالتعاون الاقتصادي بعيداً عن الملفات السياسية الحساسة، أما الدول التي لم تدخل بعد في مسار التطبيع، مثل السعودية، فهي تراقب المشهد بحذر، حيث يشكل التغيير السياسي في إسرائيل عاملاً مؤثراً في حساباتها الاستراتيجية،رغم انه ليس العامل الحاسم الوحيد،ويبدو ان هذا التقييم ينسحب على الداخل الفلسطيني ايضا، حيث يتابع الفلسطينيون هذه التحولات بحذر،فالتجربة التاريخية مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أظهرت أن التغيير في الوجوه لا يعني بالضرورة تغييراً في السياسات،وهناك ادراك فلسطيني بأن أية حكومة إسرائيلية قادمة ستواصل التمسك بالمقاربات الأمنية، وهو ما يعني استمرار الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية،وبالتزامن مع ذلك، فإن بعض الأوساط الفلسطينية ترى أن حكومة أقل تشدداً قد تمنح هامشاً أكبر للمجتمع الدولي للضغط على إسرائيل، أو على الأقل تخفيف حدة الإجراءات اليومية التي تزيد من معاناة الفلسطينيين،لكن في المحصلة، يبقى الرهان على الداخل الإسرائيلي محدوداً، فيما يظل العامل الدولي هو الأكثر تأثيراً في أي تغيير محتمل.
وعلى صعيد العلاقة بين إسرائيل وإيران، فالمرجح انه مهما تغيّرت الحكومات، يبقى الإجماع الأمني الإسرائيلي ثابتاً على اعتبار إيران التهديد الاستراتيجي والوجودي الأول،ومع ذلك، فإن أسلوب التعامل مع هذا الملف قد يختلف بين حكومة وأخرى، فحكومة أكثر براغماتية قد تفضّل تعزيز التنسيق مع واشنطن وأوروبا لاحتواء إيران عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية، بينما حكومة يمينية متشددة ستواصل نهج التصعيد العسكري والتهديدات المباشرة، ومن جانبها فإن أي تغيير في إسرائيل يُقرأ في ظهران في سياق الصراع الأوسع على النفوذ الإقليمي، حيث ترى طهران أن ضعف نتنياهو أو صعود بدائل أقل تشدداً قد يمنحها فرصة لتوسيع حضورها في المنطقة، خصوصاً عبر حلفائها في لبنان وسوريا وغزة، لكن في النهاية سيبقى التوتر بين الطرفين قائماً كجزء من معادلة إقليمية لا يبدو أنها ستشهد انفراجاً قريباً.
ومن جانبها تبدو تركيا معنية بالانتخابات الاسرائيلية، في ظل دورات من التوتر والانفراج منذ أكثر من عقد، ومن وجهة نظر انقرة فان حكومة إسرائيلية جديدة بوجوه أكثر براغماتية قد تفتح المجال أمام تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، خصوصاً في مجالات الطاقة والغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وهو ملف حيوي لأنقرة،كما أن حكومة أقل تشدداً قد تسهّل إعادة بناء الثقة السياسية التي تضررت بفعل سياسات نتنياهو المتصلبة، وبالمقابل فاستمرار اليمين المتطرف في الحكم سيعمق مربع التوتر، ويعزز خطاب أنقرة الداعم للقضية الفلسطينية، ما قد ينعكس على مستوى التنسيق الإقليمي، ويبدو ان تركيا ترى التغيير في إسرائيل ليس مجرد شأن ثنائي، بل جزء من معادلة أوسع تتعلق بتوازنات الشرق الأوسط، حيث تسعى أنقرة إلى لعب دور الوسيط بين القوى الإقليمية والدولية.
في المقابل، لا يبدو ان نتنياهو في وارد الاستسلام، فقد بدأ مبكراً في طرح فكرة "حكومة وطنية موسعة"، في محاولة لتخفيف عبء حلفائه المتطرفين وإعادة تسويق نفسه كزعيم قادر على ضبط التوازنات، ذلك انه يدرك خطورة العزلة الدولية التي يواجهها، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بالثوابت الأمنية التي شكلت جوهر سياساته منذ البداية، ورغم قوة الرهانات الدولية على إحداث خرق سياسي، فإن الواقع الإسرائيلي يفرض قيوداً صارمة على أية حكومة بديلة، لا سيما بعد السابع من اكتوبر، فالإجماع الأمني داخل المؤسسة السياسية والعسكرية يظل قائماً حول رفض حل الدولتين،و"إدارة الصراع" بدلاً من حله، وهو ما يعني أن أي تغيير محتمل سيقتصر على تبديل الأسلوب والوجوه، وتحسين اللغة الدبلوماسية، دون أن يمس جوهر العقيدة الأمنية المتشددة، فحتى القوى المعارضة لنتنياهو، رغم خطابها الأكثر مرونة، لا تقدم رؤية استراتيجية مختلفة جذرياً، بل تكتفي بتعهدات بتعزيز التنسيق مع الحلفاء الغربيين وإعادة بناء الثقة،لذا فالمرجح ان هناك فجوة واسعة بين المأمول والواقع، ستكون العنوان الأبرز لنتائج الانتخابات الاسرائيلية القادمة.