الله يعلم والأيام شاهدة .. فماذا سيكتب المتخمون؟
محمد مطلب المجالي
24-06-2026 05:29 PM
رحم الله شاعر الأردن وحكيمها الشاعر الكبير عرار مصطفى وهبي التل، الذي عاش بين الناس وعرف وجعهم، وحين حلّت بالبلاد سنوات القحط والمجاعة، تبرع بقرشٍ من ذهب، ثم كتب على ظهره بيتاً أصبح جزءاً من ذاكرة الأردنيين:
"الله يعلمُ والأيامُ شاهدةٌ
أنّا كِرامٌ ولكنّا مفاليسُ"
كان الرجل فقيراً، لكنه كان غنياً بالكرامة. لم يكن يملك الكثير، لكنه لم يمدّ يده إلى جيب الوطن، ولم يجعل من المنصب سلّماً للثروة، ولا من المسؤولية باباً للامتيازات. أفلس جيبه، وبقيت قيمه عامرة.
أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال، وأصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا سيكتب المتخمون على ظهور ما جمعوه؟ وماذا سيقول أولئك الذين انتفخت حساباتهم بينما انكمشت جيوب الناس؟ وماذا سيكتب الذين لم يتركوا للمواطن قرشاً واحداً يقيه ذل السؤال أو قسوة الأيام؟
عرار كتب: "أنّا كرام ولكنّا مفاليس". أما هؤلاء، فهل سيكتبون: "أنّا أغنياء ولكن الوطن مفلس"؟
لقد أصبح المواطن يطارد راتبه كما يطارد السراب، ويحسب أيام الشهر كما يحسب الأسير أيام سجنه. الضرائب تتكاثر، والأسعار ترتفع، والفرص تضيق، فيما تستمر حفلات التنظير
والخطب الرنانة عن الإنجازات الكبرى التي لا يراها إلا أصحاب المكاتب الوثيرة.
والمفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن يتحدثون اليوم عن التضحية لم يجرّبوا يوماً طابور انتظار، ولا فاتورة أثقلت كاهل أسرة، ولا قرضاً استنزف ما تبقى من العمر. يتحدثون عن الصبر من مقاعد مريحة، ويطالبون الناس بالتحمل فيما هم أبعد ما يكونون عن المعاناة.
ولو عاد عرار إلى الحياة، لربما لم يجد قرشاً من ذهب يتبرع به، لأن بعض المتنفذين لم يتركوا في جيوب الناس ما يكفي لشراء قرش من نحاس. ولربما غيّر بيته الشهير ليقول:
"الله يعلم والأيام شاهدةٌ
أنّا صبرنا... ولكنهم تمادوا"
إن الأمم لا ينهضها المتخمون، ولا يحفظها الباحثون عن المكاسب، بل يحفظها أصحاب الضمائر الحية الذين يشعرون بوجع الناس قبل أن يتحدثوا باسمهم. فالوطن ليس خزينةً يتقاسمها المنتفعون، ولا غنيمةً يتناوب عليها الطامعون، بل أمانة في أعناق الجميع.
ويبقى السؤال معلقاً في الهواء، ينتظر جواباً من أولئك الذين أثقلوا ظهور الناس بالأعباء وأثقلوا دفاترهم بالأرقام:
عندما تقف الأيام شاهدة كما شهدت لعرار، ماذا ستشهد لكم؟ وماذا ستكتبون على ظهور ما جمعتموه؟
فالتاريخ، وإن تأخر، لا ينسى... والأيام شاهدة.