"مزاجية القرار الإداري" حين يتقدم التقدير الفردي على منطق الدولة
فيصل تايه
02-07-2026 11:03 AM
في قراءة أداء بعض المؤسسات الحكومية والمواقع الإدارية العليا، لا يعود الاختلال مرتبطًا بالقرار ذاته بقدر ما يرتبط بالمنطق الذي يُنتج القرار داخل المؤسسة. فالمسألة في جوهرها لا تتعلق بكفاءة إجراء هنا أو خطأ هناك، بل بطبيعة الوعي الإداري الذي يسبق القرار ويُعيد تشكيل معاييره وحدوده، ويحدد إن كان امتدادًا لمنظومة دولة مستقرة، أم انعكاسًا لتقدير فردي يتبدل بتبدل اللحظة والسياق.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح واضحًا أن ما يبدو اختلافًا في الأداء أو تفاوتًا في القرارات، ليس في كثير من الحالات سوى تعبير عن اختلاف أعمق في فهم وظيفة الإدارة ذاتها. إذ يبدأ التحول عادة من انتقال غير معلن من إدارة محكومة بالقاعدة والمعيار، إلى إدارة تتداخل فيها القراءة الشخصية مع النص المؤسسي، حتى تصبح الحدود بين ما هو نظامي وما هو اجتهادي حدودًا مرنة، قابلة لإعادة التشكيل بحسب الظروف والأشخاص.
وهنا تبرز الكلفة الاستراتيجية الباهظة لهذا النمط؛ فهو لا يعطل كفاءة المؤسسة إجرائيًا فحسب، بل يضرب مشروع "التحديث الإداري" الذي تسعى الدولة لترسيخه في عمقه. فالخطط والسياسات الطموحة تتعثر عند عتبة "المزاجية" في مواقع تنفيذ القرار، وعندما تصبح المعايير قابلة للتغير غير المعلن، يفقد العمل أهم ضمانات استقراره: القدرة على التنبؤ المؤسسي وثبات المرجعية. ويتغير معها سلوك العاملين، فلا يعود الموظف معتمدًا على القاعدة بوصفها مرجعًا نهائيًا، بل على قراءة غير رسمية لاتجاه مزاج القرار، وهي قراءة تكتسب مع الوقت وزنًا يفوق النص ذاته في توجيه السلوك.
وفي هذه البيئة، يعاد تشكيل أولويات الموظف المهنية بشكل تدريجي، بحيث لا يعود التركيز منصبًا على تطوير الكفاءة الذاتية أو بناء مسار مهني تراكمي، بل على إدارة التوافق مع التوقعات اللحظية للمسؤول. وهذا التحول، رغم طابعه السلوكي الظاهر، هو في حقيقته تحول بنيوي يهدد "الأمن الإداري للدولة" ويعصف بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة على المدى البعيد؛ فالمؤسسة التي تُقصي الكفاءات بصمت وتُقرّب الولاءات اللحظية، لا تنتج فراغاً قيادياً في الصف الثاني فحسب، بل تورث بيئة العمل شعوراً بـ "الغبن الإداري" الذي يزعزع ثقة الفرد بإنصاف المؤسسة العامة.
ومع الوقت، ينفصل معيار الجودة تدريجيًا عن الاعتراف الإداري، ويبدأ معيار القبول بالارتباط بدرجة التوافق مع التقدير الفردي، لا مع معيار مهني موضوعي. وهنا تنشأ فجوة صامتة لكنها عميقة، تمتد آثارها لتعيد تشكيل الثقافة الداخلية للمؤسسة، ويمتد أثرها إلى ضمور روح الفريق لحساب بنية مركزية ضيقة يُدار فيها القرار من نطاق محدود.
وفي مثل هذا التحول، يخسر القرار عمقه ونضجه الناتج عن تعدد الرؤى، ويتحول العمل إلى جزر من الجهود الفردية غير المترابطة، ما يضعف التراكم المؤسسي ويحد من قدرة المؤسسة على التعلم الذاتي.
وفي موازاة ذلك، تبدأ الكفاءة بالتحول من عنصر دعم للقرار إلى عنصر يُنظر إليه بحذر، ليس بسبب قصور فيها، بل بسبب قدرتها على كشف الفجوة بين المارسة والمعيار. ومع هذا التحول، تتغير ديناميكية العمل الداخلي، فتُستبدل المبادرة بالحذر، ويُستبدل الاقتراح بالصمت، دون حاجة إلى توجيه مباشر، بل نتيجة بيئة غير مستقرة في مرجعياتها، وهو ما يمثل هدرًا حقيقيًا للموارد البشرية التي استثمرت الدولة في تأهيلها.
غير أن هذا التشخيص يضع المرجعيات العليا وصناع القرار أمام مسؤولية مباشرة لإعادة ضبط البوصلة؛ فالإشكال ليس في ندرة الخبرة، بل في غياب أدوات الحوكمة والمساءلة الفاعلة التي تحمي النص المؤسسي من "أمزجة" المواقع القيادية، وتضمن استمرارية السياسات وتراكمها العابر للأشخاص والحكومات، عبر تفعيل آليات تقييم مستقلة تقيس العقلية المؤسسية للمسؤول بقدر ما تقيس كفاءته الفنية.
ومن هنا يكتسب مفهوم التواضع في القيادة بعدًا إداريًا مباشرًا، لا بوصفه قيمة أخلاقية مجردة، بل بوصفه شرطًا لضبط العلاقة بين السلطة والمعرفة. فكلما ارتفع وعي المسؤول بطبيعة موقعه داخل منظومة الدولة، لا فوقها، اتسعت مساحة التشاور، وتعززت جودة القرار، وتراجعت احتمالات الانغلاق الإداري.
وفي نهاية هذا المسار، يبقى المعيار الحاسم لأي تجربة إدارية مرتبطًا بقدرتها على إنتاج بيئة مستقرة للقرار، واضحة المرجعية، عادلة في المعايير، وقادرة على تحويل الكفاءة إلى قيمة مؤسسية دائمة لا استثناء ظرفي. فالمؤسسات لا تُقاس بما تعلنه من إنجازات، بل بما تُنتجه من منطق داخلي يحكم السلوك الإداري، ويحدد شكل الدولة كما تُمارس فعليًا، لا كما تُصاغ نظريًا.