أحياناً لا تكشفنا التصريحات بقدر ما تكشف أصحابها، فعندما يخرج مسؤول ليقول: "مين كان يعرف الأردن أصلاً؟"، فإن القضية لا تتعلق بجملة عابرة، بل بطريقة في رؤية الوطن.
في الأردن توجد فئة تعيش داخل دوائر اجتماعية واقتصادية مغلقة، حتى أصبحت تظن أن تجربتها الشخصية هي تجربة الأردنيين جميعاً، وأن ما تعرفه هو كل الحقيقة، هذه الفئة لا تعرف الأردن إلا من خلال مساحة جغرافية واجتماعية محدودة، تتحرك بين أحياء معينة في غرب عمّان، وليس حتى في عمّان كلها، وتدور علاقاتها في الدوائر نفسها، وتلتقي بالأشخاص أنفسهم، وتزور الأماكن نفسها.
وإذا خرجت من العاصمة، فغالباً لا يتجاوز حضورها ما يعرف بالمثلث الذهبي، ومن الطبيعي أن تكون الصورة التي تبنيها عن الأردن ناقصة.
المشكلة ليست في مكان السكن، بل في ضيق مساحة المعرفة، ومن خلال احتكاكي بهذه الدوائر، كنت ألاحظ أمراً لافتاً، فعندما يعلم بعضهم أنني من البادية الشمالية، يبدأ سيل من الأسئلة التي تبدو للوهلة الأولى بريئة، لكنها تكشف ما هو أعمق: "أنتِ من البادية؟"، "كيف وصلتِ إلى هذا المستوى؟"، "تفكيرك مختلف عن أبناء المحافظات."
كنت أشعر أحياناً أنهم لا يستكثرون ذلك عليّ شخصياً، بل يستكثرونه على المحافظات نفسها، ولهذا تتكون أحياناً صور نمطية عن الأردن وعن أبناء المحافظات والبادية، وكأنهم أقل تعليماً أو انفتاحاً أو قدرة على الإنتاج والإبداع.
كثير من الشباب الأردنيين من مختلف المحافظات مروا بمواقف مشابهة، حين فوجئ آخرون بمستواهم العلمي أو المهني، وكأن الكفاءة تحتاج إلى عنوان بريدي حتى تُصدّق، لكن الأردن الحقيقي لا يُعرف بهذه الطريقة.
الأردن ليس مجموعة أحياء، ولا دائرة علاقات اجتماعية، ولا طبقة اقتصادية بعينها.
الأردن هو المفرق وإربد والسلط والزرقاء والكرك والطفيلة ومعان وجرش وعجلون والعقبة ومادبا، كما هو عمّان بكل تنوعها، وهو أيضاً البادية والريف والمدينة.
وهو آلاف الكفاءات التي خرجت من كل هذه البيئات، وأسهمت في بناء الدولة، وفي الجيش، والجامعات، والمستشفيات، والاقتصاد، والدبلوماسية، والعمل العام، ولهذا فإن اختزال الأردن في تجربة شخصية، أو الاعتقاد أن مكانته بدأت اليوم، لا يعكس حقيقة الوطن، بل يعكس حدود التجربة التي ينطلق منها صاحب هذا الرأي.
لقد بنى الأردن مكانته عبر عقود من العمل والتضحيات، بنى سمعته بجهود قيادته الهاشمية، ومؤسساته، وقواته المسلحة، ودبلوماسييه، ومعلميه، وأطبائه، ومزارعيه، وعماله، وشبابه في كل محافظة ومدينة وقرية.
النخبة الحقيقية ليست من تعيش في دائرة مغلقة، بل من تعرف الأردن كله، ومن يعرف الأردن حقاً، يدرك أن هذا الوطن لا يمكن اختزاله في حي، ولا في طبقة، ولا في تجربة شخصية.
الوطن لا يُقاس بحدود الفقاعة التي نعيش داخلها، بل بقدرتنا على رؤية جميع أبنائه، واحترامهم، والإيمان بأن قيمة الإنسان الأردني لا يحددها مكان ولادته، بل ما يقدمه لوطنه.