"الجار كالنفس" في مواجهة السردية التاريخية
وليد الهباهبة
03-07-2026 04:06 PM
غالبًا ما تُبنى الهويات الوطنية على سرديات تاريخية تسعى إلى الإجابة عن سؤال: من نحن؟
لكن هذا السؤال لا يُطرح بمعزل عن سؤال آخر أكثر حساسية: من ليس منا؟ وهنا تكمن المعضلة؛ فكل رواية تاريخية تختار ما تُبرز وما تُغفل، ومن تمنحه صفة المؤسس ومن تضعه في الهامش، لتصبح الهوية، من حيث لا نشعر، أداة للتمييز بقدر ما هي وسيلة للانتماء.
هذا ليس عيبًا عارضًا يمكن إصلاحه بحسن النية، بل خاصية بنيوية: فالهوية، كما تُبنى في العلوم الاجتماعية، ليست جوهرًا ثابتًا بل علاقة تفاضلية؛ نحن نُعرَّف بما نستبعده أكثر مما نُعرَّف بما نحتويه.
ولأن التاريخ بطبيعته قابل للتأويل، فإن بناء الهوية عليه يجعلها عرضة للتجاذبات السياسية والاجتماعية. فما إن تضعف التهديدات الخارجية حتى تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة: من هو الأصيل ومن هو الـ"لفوفة"؟ ومن هو الأحق بالتمثيل؟ وهكذا يتحول الماضي، الذي يفترض أن يكون مصدرًا للإلهام، إلى ساحة للتنافس والانقسام.
في المقابل، يقدم مبدأ "الجار كالنفس" في وثيقة المدينة رؤية مختلفة للهوية، لا تنطلق من الأصل أو النسب أو الرواية التاريخية، بل من الجغرافيا والمصير المشترك. فالانتماء هنا لا يُقاس بمن أين أتى الإنسان؟، وإنما بمشاركته الآخرين المكان والمسؤولية والحقوق والواجبات. هذه الرؤية تنقل مركز الثقل من الماضي إلى الحاضر، ومن سؤال الأسبقية إلى سؤال الشراكة.
غير أن هذا الانتقال يحتاج إلى تفسير، لا إلى تسليم.
لماذا يُفترض أن المكان المشترك ينتج تضامنًا أكبر من الرواية المشتركة؟ الإجابة، في أدبيات علم الاجتماع السياسي، ليست بديهية. فالمجاورة الجغرافية بذاتها لا تصنع تماسكًا اجتماعيًا؛ فلبنان نموذج صارخ على جغرافيا متقاسمة مع انقسام عميق حول الرواية، حيث تحولت الطوائف المتجاورة جغرافيًا إلى جماعات متمترسة خلف رواياتها الخاصة. وعلى النقيض، تقدّم سويسرا مثالًا مغايرًا: أربع لغات ومجموعات دينية متعددة، توحدها ليست رواية تاريخية واحدة، بل بنية مؤسسية دقيقة توزع السلطة والموارد على أساس إقليمي وتعاقدي.
هذا التباين يكشف الحقيقة الجوهرية: الجغرافيا شرط ضروري لكنه غير كافٍ. فهي تفتح الإمكانية لهوية تشاركية، لكنها لا تضمنها من تلقاء نفسها. ما يحوّل "الجيرة" من واقع مكاني صامت إلى رابطة سياسية فعلية هو المؤسسات التي تترجمها إلى ممارسة يومية ملموسة.
فإذا كان "الجار كالنفس" مبدأ معياريًا نبيلاً، فإن السؤال العملي هو: كيف يُترجَم هذا المبدأ إلى سياسات؟ ثلاث آليات تبدو حاسمة في هذا السياق:
أولًا، قانون المواطنة والانتماء. حين يُبنى الحق في المواطنة على الإقامة والمشاركة لا على النسب أو الأصل، تتحول الجغرافيا من شعار إلى قانون فعلي يحدد من يملك الحق في التصويت والتمثيل والخدمات.
ثانيًا، عدالة توزيع الموارد على أساس إقليمي. فالشعور بـ"المصير المشترك" لا ينشأ من الخطاب وحده، بل من إحساس ملموس بأن الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية يصل إلى الأطراف كما يصل إلى المركز، لا أن تبقى بعض المناطق هامشًا دائمًا لجغرافيا "أخرى" داخل الوطن نفسه.
ثالثًا، آليات تمثيل سياسي لا تكرّس الانقسام الأهلي. فالتجربة اللبنانية تحديدًا تُظهر كيف يمكن لنظام مؤسسي مبني على الحصص الطائفية أن يعيد إنتاج المنطق التاريخي-الإقصائي نفسه، حتى لو كانت اللغة الرسمية للدولة جغرافية وتشاركية. المؤسسات، لا النوايا، هي ما يحدد أي المنطقين سيسود فعليًا.
بهذا المعنى، الجغرافيا لا تلغي التاريخ، لكنها تمنع احتكاره حين تكون مسنودة ببنية مؤسسية تُنتج الشراكة عمليًا لا شعاريًا فقط. فالفارق بين حالتي لبنان وسويسرا ليس فارقًا في درجة "الجيرة" الجغرافية، بل في وجود أو غياب المؤسسات التي تحوّل "الجيرة" إلى مواطنة فعلية متساوية الحقوق.
صحيح أن الجغرافيا لا تُنهي جميع إشكاليات الهوية، ولا تقدّم وصفة جاهزة تُغني عن العمل السياسي والمؤسسي المستمر. لكنها توفر إطارًا أكثر قدرة على استيعاب التنوع مقارنة بالسردية التاريخية الأحادية، لأنها تُعيد تعريف معيار الانتماء من "من أين أتيت" إلى "ماذا تشارك اليوم"، وتفتح الباب أمام عقد اجتماعي قابل للتفاوض بدل رواية مغلقة قابلة فقط للتكرار أو النفي.
الدول الأكثر استقرارًا،ليست بالضرورة تلك التي وحّدت روايتها التاريخية، بل تلك التي بنت مؤسسات تجعل من التنوع مصدر قوة عملية لا تهديدًا دائمًا. فالأوطان لا تُصان بالذاكرة وحدها، ولا بالجغرافيا وحدها، بل بإرادة سياسية تترجم مبدأ "الجار كالنفس" إلى قانون وموازنة وتمثيل، لا إلى شعار أخلاقي معلّق في الفراغ.