جنازة الإمام الكبرى في إيران
حسين بني هاني
03-07-2026 05:29 PM
مناسبة مؤلمة ولكنها مثيرة للجدل ، ستكون حافلة بالرسائل والدلالات ، وربما تقرأها دوائر السياسة العالمية بلغات مختلفة ، حيث تتجلّى فيها الرمزيّة لقائد ، هو بالنسبة للشيعة ، زعيما سياسياً وقائداً دينياً بنظر التابعين له في إيران والعراق ، وربما في بعض اليمن ولبنان أيضا ، باعتباره ممثلاً للإمام الغائب . هي حالة استثنائية سوف تترك اثرها على مستقبل السياسات القائمة بين حلفاء المنطقة ، من جهة وبينهم وبين واشنطن أيضا ، أكيد أن مراسم وداع الإمام سوف يتصدّر فيها بكاء المؤيدين وضجيج الشاشات ، ولكنّها بحسابات السياسة ، ستبقى فرصة لأصحاب العمائم لاستدعاء سردية ما وقع في القرن الهجري الأول ، كي يواصلوا عرض مسيرة خلافات الحاضر السياسية اليوم مع الآخرين ، وتصنيفها كبوابة كبرى لبناء تحالفات وإشعال معارك طائفية عابرة للحدود ، إذ تعكس إيران في غمرة مراسم التشييع الكبرى هذه ، رغبتها مواصلة العيش في بطون التاريخ ، واستدعاء وقائعه كلما لاحت لها فرصة ، وبصرف النظر عن المكان والزمان ، مستلهمة فكرة التشيًع من ذكرى كربلاء الحزينة قبل قرون .
ربما يكون مُبَرَرَاً لها ومفهومٌ أيضاً ، أن تشمل تلك المراسم المدن المقدّسة في كل من قُمْ ومشهد ، بالإضافة لطهران ، لكنّ أن تمتد مراسم التشييع ونقل الجثمان إلى العتبات المقدسة في النجف وكربلاء ، فهذا أمرٌ ربما يثير الدهشة لدى البعض ، ومن حق المتابعين التوقف عنده في الشرق وفي الغرب ، إذ يبدو أن فقه الوصاية الدينية لدى حوزة قُمْ ، لا يشمل المراقد المقدّسة في العراق وحسب ، وإنما يمتد إلى مسائل أخرى لا تقبل القسمة على إثنتين ، بل لا تقبل بها معطيات السياسة أيضا ، قبل دفن الإمام في مدينة مشهد .
يجد قادة طهران في هذه المناسبة ، فرصة كبيرة ، لإستحضار الماضي ومعه الجغرافيا هذه المرة أيضاً ، وبما يوحي بتوسيع مجالها الحيويّ ، مسنوداً هذه المرة بالفكرة ذاتها ، رغم الكثير من صفحات التاريخ غير المتفق على تفاصيلها بين الطرفين ، فهم عندما دخلوا لمناصرة بشار الأسد مثلاً ضد الثوّار ، كان شعارهم " لن ننسى زينب مرّتين " . في محاولة منهم ، لإثارة المواجع ومشاعر الغضب ، وإعادة كتابة التاريخ وفق رؤيتهم ، جامعين في تلك الواقعة الأيديولوجيا مع الهوية والأرض ، رغم معرفتهم بأن الأخيرة عموما عند المسلمين ، هي مسألة عابرة للطوائف ، وأنّ الصراعات بين البشر ، تتركّز عادة على السلطة الدنيوية ، التي لاتستوجب نظرة دينية مهيمنة لتفسيرها أصلاً .
تعلم طهران أن الحوزتين العلميتين ، في كلٍ من النجف وقم هما منافسان فكريّان ، وتعلم ايضاً أن للبلدين مصالح سياسية مختلفة ، ولكنها غير مستعدة لتجاهل مشروعها السياسي المستند أصلا إلى فكرة طائفية .
شمول المراقد العراقية المقدسة في مراسم تشييع جثمان الإمام ، بنظر أصحاب العمائم في طهران ، هو رسالة مباشرة منهم لواشنطن ، تفيد بصعوبة فصل السياسة عن الفكرة في كلا البلدين ، هذا أمرٌ يصعب على واشنطن فهمه وتقديره ، كونها مسألة عابرة للأجيال بالنسبة لطهران ، تتجدد فيها الشعبية ، ليس في إيران وحسب ، وإنما بين حاملي الفكرة أيضاً في غير مكان ، تعيد فيه طهران صياغة مفهوم الفضاء الجيوسياسي وفق مصالحها ، وتجعله فضاءً ممتداً تذوب فيه الحدود تماما أمام الفكرة ، ويترابط فيها بنيان عضوي ، يمجُّدُ التضحية بين التابعين أسوة بالحسين في كربلاء ، رغم إختلاف مواقف دولهم السياسية .
لا أظن أن هذه المسألة ستمرُّ لدى واشنطن مرور الكرام ، ولن يكون الأمر يسيراً أيضاً على حكومة بغداد الجديدة ، تلك التي لن تقوى في ظلّ الخارطة السياسية العراقية الداخلية ، على إبداء أي ملاحظة ضدها ، وتعرف أن فعلت ، أن ذلك دونه خرط القتاد ، إذا أرادت بغداد الرسمية أن تحافظ على إستقلال قرارها ، أو تنأى بنفسها عن هذه الأزمة .