facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدولة الحديثة: ما بين اقتصاد النفوذ واقتصاد الإنتاج


أ.د. عبدالله سرور الزعبي
04-07-2026 11:10 PM

ثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح على صانعي القرار من واشنطن إلى نيودلهي، ومن أنقرة إلى نيروبي: لماذا تنجح دول فقيرة بالموارد في بناء اقتصادات قوية، بينما تتعثر دول غنية بالثروات؟ لا يكمن الجواب في حجم الموارد، بل في طبيعة العلاقة بين السلطة والثروة والمجتمع، وفي الاختيار المؤسس لأي دولة حديثة: هل تُبنى على اقتصاد يكافئ الإنتاج أم اقتصاد يكافئ النفوذ والقرب من القرار؟

في جوهر هذه المعادلة سؤال أعمق: هل يشعر المواطن أن الاقتصاد يعمل لصالحه أم عليه؟ حين تكون الإجابة إيجابية، تتشكل بيئة تدفع إلى الابتكار والمخاطرة، وتتحول الثقة إلى رأس مال غير مرئي لكنه بالغ القوة. أما حين يترسخ شعور بانحياز القواعد للنخب، يبدأ مسار بطيء من التآكل: انسحاب الكفاءات، وتراجع روح المبادرة، وصولًا إلى ما يمكن تسميته "باستنزاف الأمل"، حيث يصبح المستقبل أقل جاذبية من الحاضر.

هذه ليست فرضية نظرية، بل مسار تكرر تاريخيًا. كوريا الجنوبية في ستينيات القرن الماضي كانت أفقر من دول إفريقية عدة، لكنها ربطت الدعم الحكومي بالإنتاج والتصدير، فكان معيار النجاح هو الإنجاز لا العلاقة. خلال عقود قليلة تحولت من مستوردة للفولاذ إلى مُصدِّرة للسفن وإلى قوة صناعية وتكنولوجية كبرى. في المقابل، تمتلك فنزويلا أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، لكنها أسست نموذجًا ريعيًا يوزع الثروة على أساس الولاء، لا الإنتاج، فانهار الاقتصاد عند أول أزمة نفطية، وهاجر الملايين. لم تكن الأزمة نفطًا بل نموذج حكم.

تكشف هذه التجارب قانونًا متكررًا، اقتصاد النفوذ قد ينتج ازدهارًا مؤقتًا، لكنه يخلق هشاشة بنيوية عميقة، بينما اقتصاد الإنتاج يبني تراكمًا مستدامًا وقدرة على الصمود. ومع توسع اقتصاد النفوذ تتشكل طبقة هجينة تتحرك بين السياسة والاقتصاد، تستولي على الفرص بدل أن تنتجها، وغالبًا ما تُمرر عبر شعارات مثل "الإصلاح الهيكلي" و"الخصخصة"، لكنها تتحول عمليًا إلى إعادة توزيع للثروة لصالح قلة نافذة.

عند هذه النقطة يبدأ التشوه الحقيقي، يتحول السوق من فضاء تنافسي إلى امتداد للنفوذ، وتُستبدل قاعدة "من يُنتج أكثر يربح أكثر" بقاعدة "من يقترب أكثر يربح أكثر". وهنا لا يعود الاقتصاد محركًا للتنمية، بل أداة لإعادة إنتاج السلطة والثروة معًا.

التاريخ يقدم نماذج متكررة لهذا المسار. الإمبراطورية الرومانية لم تنهَر فجأة بسبب الغزو، بل بسبب اختلال توزيع الثروة لصالح النخب والقيادات العسكرية، وتآكل الطبقة الوسطى، عماد الجيش والإنتاج. والمنطق ذاته تكرر في فرنسا عشية الثورة؛ فلم يكن الانفجار نتيجة الفقر وحده، بل انهيار الشعور بعدالة النظام، حين تحملت الفئات المنتجة العبء الضريبي بينما تمتعت النخب بإعفاءات واسعة. وروسيا القيصرية انهارت تحت ضغط فجوة طبقية حادة عمّقتها الحرب العالمية الأولى، فظهرت هشاشة بنيتها الاجتماعية.

وبعد قرن، أعادت روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي إنتاج جزء من هذا النمط، حين ركّزت الخصخصة السريعة الثروة في قطاعات الطاقة والمعادن والبنوك داخل دوائر ضيقة. ويظهر النموذج باقل حدّة في إسبانيا القرن السابع عشر، والدولة العثمانية، حيث أضعف الريع والالتزام الضريبي القاعدة الإنتاجية؛ وفي الاتحاد السوفيتي، الذي أثبت أن احتكار الموارد دون مكافأة الكفاءة يقود إلى جمود لا تنقذه وفرة الموارد.

وتتكرر القصة بصيغ مختلفة في دول حديثة؛ فالأرجنتين، من أغنى اقتصادات العالم مطلع القرن العشرين، تحولت بفعل تداخل الشعبوية بالمصالح إلى أسيرة دورات متعاقبة من الأزمات المالية وتراجع القدرة الإنتاجية.

أما الشرق الأوسط، فالصورة أكثر تعقيدًا: في لبنان انهار اقتصاد بدا نموذجًا للخدمات لكنه استند إلى هندسات مالية لا إنتاج حقيقي؛ وفي العراق بعد 2003 أعاد النفط تشكيل السلطة ضمن محاصصة حوّلت الوظائف والعقود إلى أدوات لتوزيع النفوذ؛ وفي سوريا وليبيا واليمن تحولت الموارد من ركيزة استقرار إلى دافع للصراع؛ وحتى تونس، الأكثر استقرارًا قبل 2011، كان الانفجار تراكمًا لشعور بأن الفرص لم تعد محايدة.

القاسم المشترك في كل هذه التجارب أن الانهيار لا يبدأ من نقص الموارد، بل من اختلال العدالة في توزيعها. وأول ضحايا هذا الاختلال هي الطبقة الوسطى، التي تشكل العمود الفقري لأي استقرار اجتماعي واقتصادي. ومع تآكلها، يتغير سلوك المجتمع، ويتغير سؤالها من "كيف ننجح؟" إلى "كيف نتجنب الخسارة؟"، وتبدأ موجة هجرة الكفاءات، أو ما يمكن وصفه بظاهرة "باستنزاف الأمل"، المؤشر الذي لا تقيسه معدلات النمو أو البطالة، بل يقاس بإيمان المجتمع بأن الغد أفضل من اليوم.

وما يجعل هذه اللحظة أكثر حسمًا، أن ساحة الصراع انتقلت من الموارد الطبيعية، إلى فضاء جديد "البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي". هذا التحول لم يُلغِ اقتصاد النفوذ، بل أعاد تشكيله بأدوات أكثر تعقيدًا. وتشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل ما بين 40% و60% من المهن خلال عقدين، ما يعني أن الفجوة بين الدول القادرة رقميًا وتلك المتأخرة ستتسع بشكل كبير. هنا تصبح البنية الرقمية نفسها امتدادًا جديدًا لفكرة الدولة الاقتصادية. ومثال ذلك إستونيا، التي اصبحت من أكثر دول العالم رقمنة لأنها اعتبرت الفضاء الرقمي أرضًا للسيادة، وحوّلت الدولة إلى منصة قائمة على الكفاءة والشفافية لا الحجم.

وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة اختبارًا مفتوحًا لا قدرًا محتومًا، إذ لم تعد القواعد القديمة التي ربطت قوة الدولة بحجمها ومواردها كافية لتفسير من سينجح ومن يتعثر. ولذلك فإن السؤال لم يعد: من يملك الموارد الأكثر؟ بل: من يملك المؤسسات الأكثر قدرة على إطلاق طاقات الإنسان، وتحويل الثقة إلى إنتاج، والإنتاج إلى قوة وطنية. وقلّما تجد حالة تختزل هذا التقاطع كما تختزله الحالة الأردنية.

في الحالة الأردنية، لا تكمن المعضلة في ندرة الموارد وحدها، فهذه سمة تاريخية رافقت الدولة منذ نشأتها دون أن تمنعها من بناء مؤسسات مستقرة نسبيًا في محيط إقليمي مضطرب، بل تكمن في اختلال إدارة الموارد وتوزيع الفرص، وضعف إنتاجية الاقتصاد مقارنة بمستوى التعليم ورأس المال البشري المتاح. فالأردن يمتلك واحدة من أعلى نسب التعليم الجامعي في المنطقة، ويمتلك كفاءات أثبتت حضورها في أسواق العمل الإقليمية والدولية، لكن جزءًا معتبرًا من هذه الطاقات يجد فرصه خارج الحدود أكثر مما يجده داخلها او انه مستبعد، ما يعني أن الدولة تخسر استثمارها في الإنسان قبل أن تجني عوائده.

في الوقت نفسه، يواجه القطاع الخاص تحديات تتعلق بتعقيد الإجراءات، وكلف التشغيل، وتفاوت الوصول إلى الفرص. ومع أن هناك نماذج ناجحة داخل الاقتصاد الأردني أثبتت قدرة على الابتكار، إلا أن البيئة العامة لا تزال بحاجة إلى تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث لا يكون النجاح مرتبطًا بالقرب من القرار أو النفوذ، بل بالكفاءة والإنتاجية وحدهما.

ومع ذلك، فإن اختزال الحالة الأردنية في التحديات فقط سيكون قراءة ناقصة. فالأردن يمتلك عناصر قوة لا تتوفر لكثير من الدول الأكثر ثراءً: مؤسسات دولة تراكمت خبرتها عبر عقود، موقع جغرافي استراتيجي يربط المشرق بالخليج ويمتد نحو المتوسط عبر العقبة، رصيد من الاستقرار السياسي في بيئة مضطربة، وسمعة دولية قائمة على الاعتدال والموثوقية. هذه العوامل ليست تفصيلًا، بل أصول استراتيجية يمكن تحويلها إلى مزايا اقتصادية، إذا أُحسن توظيفها.

غير أن هذه المزايا لن تتحول إلى قيمة مضافة تلقائيًا، فالعالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة. فإعادة إعمار سوريا، والتحولات الاقتصادية في الخليج، وصعود الاقتصاد الرقمي، كلها تفتح نوافذ قد لا تبقى مفتوحة طويلًا. والدول التي تستعد مبكرًا هي التي تحصد المكاسب، أما التي تؤجل الإصلاح بانتظار ظروف أكثر ملاءمة، ستجد أن الفرصة قد انتقلت إلى غيرها.

ومن هذا التشخيص، قد تتبلور خطة من ست محطات. ربط الإعفاءات بمعايير قابلة للقياس كالتصدير والتوظيف الفعلي ونقل التكنولوجيا، لا بحجم النفوذ الذي تقف وراءه. والثانية، تحويل الاقتصاد الرقمي من شعار إلى بنية تحتية فعلية. والثالثة، إعادة تعريف دور التعليم، بحيث يصبح مصنعًا للمهارات، لا مجرد وسيلة للحصول على الشهادات، وسوق عمل، تكون فيه الإنتاجية والتميز أساسًا للتقدم المهني. والرابعة، استثمار الموقع الجغرافي كأصل اقتصادي؛ فالأردن، ليصبح مركزًا لوجستيًا إقليميًا لإعمار سوريا وتجارة الخليج مع المتوسط. والخامسة، تنويع الطاقة عبر مشاريع الطاقة الشمسية، لتحويل فاتورة الاستيراد إلى فرصة تصديرية. والسادسة، بناء منظومة الشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، واستقرار القواعد التي تحكم الاقتصاد.

غير أن هذه المسارات جميعها تبقى بلا أثر ما لم تُبنَ على عامل واحد جامع: الثقة. الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وبين المستثمر والسوق. فهي البنية غير المرئية التي تحدد ما إذا كانت السياسات ستتحول إلى نتائج أم تبقى حبرًا على ورق.

وعلى هذا الأساس، يمكن تصور مسارين لمستقبل الأردن خلال العقد القادم. المسار الأول، وهو الأسهل لكنه الأخطر، يتمثل في استمرار إدارة الأزمات دون إصلاحات هيكلية عميقة، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين "أردن النخب" و"أردن الأغلبية الصامتة"، وتزايد الاعتماد على الاقتراض، وتراجع تنافسية الاقتصاد، وارتفاع كلفة الفرص الضائعة. أما المسار الثاني، فهو الأصعب لكنه الأكثر استدامة، ويتمثل في استثمار نافذة الفرصة الجيوسياسية الحالية لإعادة بناء نموذج اقتصادي قائم على الإنتاجية والكفاءة والشفافية.


الفارق بين المسارين لا تحدده الموارد ولا الجغرافيا، بل جودة القرار وجرأته في اللحظة المناسبة، وقبل أن تنغلق نافذة فرصة قد لا تتكرر لعقود. وهذا ما يلتقي فيه التشخيص الأردني بالقانون التاريخي الأعمق، حين طُردت سنغافورة من الاتحاد الماليزي عام 1965 دون موارد طبيعية، بكى لي كوان يو على الهواء مباشرة، لكنه بنى بعدها دولة يبكي كثيرون اليوم من حسدها، لأنه جعل الكفاءة دينًا والمؤسسية عقيدة والشفافية ثقافة. والأردن، بقيادته الحكيمة ورأسماله البشري ومصداقيته، ليس بعيدًا عن هذا النموذج إن اختار أن يكون.

لقد أثبتت التجارب التاريخية من روما إلى كوريا الجنوبية، ومن الأرجنتين إلى إستونيا، أن الثروة وحدها لا تصنع مستقبلًا، وأن الجغرافيا تفرض قيودًا لكنها لا تحدد المصير. الدول التي تنجح ليست تلك التي تمتلك أكثر، بل تلك التي تنظم ما تملك بكفاءة وعدالة.

وفي النهاية، يتلخص مستقبل الدول الحديثة في سؤال واحد: هل يُدار الاقتصاد كمنظومة إنتاج مفتوحة تكافئ الجميع على أساس الكفاءة، أم كشبكة نفوذ تُعاد فيها توزيع الفرص وفق القرب من السلطة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد مصير الدول، وليس حجم مواردها أو موقعها.

ويبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، ورأسماله البشري، ومؤسسات مستقرة وتجربة سياسية طويلة، أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف نموذجه التنموي. فالثروة قد تبني ابراج، لكنها لا تبني الدول. أما الثقة، حين تقترن بالكفاءة وسيادة القانون، فهي التي تحوّل الإمكانات إلى إنجاز، والدولة إلى مشروع قابل للاستمرار.

وهكذا، من روما إلى سنغافورة، ومن الأزمات إلى التحولات الكبرى، يبقى الدرس ثابتًا، الدول لا تنهار حين تنفد مواردها، بل حين تنفد الثقة بينها وبين مجتمعاتها. وفي هذا الفارق الدقيق تُحسم معركة المستقبل بين اقتصاد النفوذ واقتصاد الإنتاج.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :