فضيحةُ العطاء .. والحاجةُ لثورةٍ بيضاء
فراس المجالي
05-07-2026 12:14 AM
عفارم دولة الرئيس، فإعلان استقالة وزير العمل جاء بسرعة لافتة، رداً على تجاوز لأبسط قواعد الحاكمية الرشيدة ومدونات السلوك الوظيفي، رغم أن الشبهة لا تزال قائمة حولَ إجراءات العطاء موضع الجدل، ما يستدعي إحالة الملف برمته إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد لاستكمال تحقيق العدالة.
ويبدو أن الاستجابة القياسية لاحتواء الموقف جاءت مدفوعة بتقديرات تستشعر حساسية الظرف الإقليمي، مع ذلك الزلزال السياسي والإداري الذي أطاح بكبار المسؤولين في إحدى دول الجوار مؤخرا.
أما الأزمة ذاتها فلا يمكن الإنكار بأنها ضربة موجعة في خاصرة الفريق الوزاري، إذ وجد الرئيس نفسه مجبراً على التضحية بالوزير الذي كان رأس حربة في مواجهة الرأي العام لتمرير تعديلات مشروع قانون الضمان الاجتماعي، قبل استئناف مساره التشريعي.
إن اللجوء لأسلوب القطع الجراحي للتنصل من المسؤولية الأدبية والسياسية ليس كافياً لعلاج العلة التي ظهرت في جسم الحكومة، فالدروس علمتنا أن معالجة الأزمات دون تفكيك جذورها لن يمنعها من العودة بشكل أكثر خطورة.
وهذا ما يستدعي المكاشفة ، فالمسألة لا تتعلق بالتشكيك في النوايا أو اتهام الشخوص جزافاً، بل بغياب الضمانات التي تحول دون ظهور تجاوزات إدارية ومالية أخرى على السطح في أي لحظة.
فبقاء المنظومة الرقابية في حالة رد الفعل يضع مصداقية الحكومة في محاربة الفساد على المحك، ويجعل من احتمال أي كشف قادم حَرجاً سياسياً بالغ الكلفة، لا تملك الحكومة ترف تحمّل تداعياته.
ولا بد لرئيس الوزراء أن يبدأ بمراجعة شاملة لكثير من القرارات والنصائح والتنسيبات التي قادت إلى "تعيينات وإقصاءات" دون مبررات مقنعة، ومصالح لا تقل تضارباً وتجاوزاً للقوانين والأنظمة، وليبدأ بـ "الحلقة الأقرب" ثم يوسع مجال البحث للتحقق من التزام الحلقات الأبعد في الوزارات والمؤسسات بمعايير النزاهة والشفافية ومدونة السلوك الوظيفي.
إن التعامل مع قرار الإقالة كقبعة إخفاء للتخلص من الوزير المخطئ، يترك الفراغ لسيناريوهات الإشاعة والتأويل التي أغرقت الشارع المتعطش للمكاشفة.
كما أنّ الاختباء وراء الشكليات لا يخدم الحكومة في سعيها لاستعادة الثقة الشعبية بجديتها في تحقيق الإصلاح طالما يجري التعامل مع التشريعات الواضحة بمنطق التأويل السياسي، في غياب الردع الحازم الذي يقطع دابر الفساد.
فما عاد الأردنيون يكتفون بالتضحية بالمسؤول المخطئ عند كل أزمة، بل ينتظرون برهاناً عملياً ومقنعاً يثبت أن معايير النزاهة هي نهج راسخ، وليست مجرد مسكّنات عابرة لإطفاء الحرائق السياسية.