facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نجح الرئيس… وفشل الوزير


م. خلدون عتمة
07-07-2026 09:31 PM

إن تأهل منتخبنا إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه لم يكن مجرد إنجاز رياضي عابر، بل لحظة نادرة كان يجب أن تُستثمر بعقلية تسويقية محترفة، وأعني محترفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالسؤال الأول الذي يطرحه أي مبتدئ في عالم التسويق هو: من هو الجمهور المستهدف؟ وما الرسالة؟ وما المسار الذي سيحوّل الاهتمام العالمي إلى زيارة فعلية، أو على الأقل إلى رغبة حقيقية في اكتشاف الأردن؟

من وجهة نظري، لم يكن هذا التأهل حدثاً رياضياً فقط، بل أكبر فرصة تسويقية حصل عليها الأردن منذ عقود. فجأة أصبح اسم الأردن على شاشات العالم، وعلى ألسنة ملايين لم يسمعوا به من قبل. لكن، وبرأيي، هذه الفرصة التاريخية لم تُستثمر كما ينبغي من قبل وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة، بينما التقطها رئيس الوزراء جعفر حسان بحرفية عالية، أو على الأقل أحسن استغلالها لصالح الأردن في المكان الصحيح، وفي التوقيت الصحيح، وبالصورة الصحيحة.

التحليل الإعلامي لما جرى يكشف نتيجة واضحة: الصورة التي اخترقت العالم لم تكن صورة الوزير، ولا “بيت الأردن”، ولا معرض الصور الرسمي، بل صورة الجمهور الأردني في المدرج الروماني. هذا المشهد، المرتبط ببث مباريات المنتخب للجمهور الأردني في واحد من أهم المواقع الأثرية في عمّان، كان الفكرة الأذكى في كل ما جرى. وإذا كانت هذه الفكرة من رئيس الوزراء، فهي ضربة تسويقية نادرة. وإذا أراد البعض أن يجادل في أصل الفكرة، فالثابت أن رئيس الوزراء أحسن التقاطها واستثمارها وتحويلها إلى صورة وطنية عالمية لصالح الأردن.

لقد وثّقت Reuters صور الجماهير الأردنية وهي تشاهد مباريات المنتخب على شاشة في المدرج الروماني في عمّان، ونشرتها كصور قابلة للترخيص عالمياً، ومنها صور مباراة الأردن والأرجنتين في 28 حزيران 2026، وصور مباراة الأردن والنمسا في 17 حزيران 2026، ومشاهد تفاعل الجماهير الأردنية داخل المدرج. وهذا يعني أن ما فعله رئيس الوزراء، أو ما التقطه واستثمره، لم يبقَ فعالية محلية، بل تحوّل إلى مادة إعلامية عالمية قابلة للتداول والبيع والنشر في وسائل الإعلام الدولية. (Reuters Connect)

علمياً، هذا ما تسميه دراسات التسويق السياحي “Destination Image”: صورة ذهنية تُبنى أحياناً بلقطة واحدة أقوى من آلاف الشعارات. صورة المدرج الروماني لم تكن مجرد شاشة وجمهور، بل كانت تركيبة تسويقية عبقرية: أثر روماني، جمهور حي، حدث عالمي، وعاطفة وطنية. هذه العناصر الأربعة اجتمعت في لقطة واحدة، وهذا بالضبط ما فهمه رئيس الوزراء أو أحسن استغلاله بحرفية عالية. هو لم يضع الأردن في إعلان، بل وضع الإعلان داخل الأردن نفسه.

وهنا تظهر عبقرية الفكرة. بث المباراة في المدرج الروماني لم يكن فعالية عادية، بل ضربة تسويقية ذكية بكل المقاييس. الفكرة، كما أراها، صنعت ما فشلت الوزارة في صناعته بالملايين: ربطت أعرق مشهد أثري في عمّان بلحظة رياضية عالمية، وقدمت الأردن كدولة حية، آمنة، جميلة، وممتلئة بالناس لا بالحجارة فقط. رئيس الوزراء لم يحتج إلى شعار. احتاج إلى مشهد. ولم يحتج إلى معرض صور. احتاج إلى أن يجعل الصورة نفسها تحدث أمام العالم.

والحرفية هنا ليست في إقامة شاشة فقط، بل في اختيار المكان. كان يمكن بث المباراة في ساحة عادية، أو قاعة مغلقة، أو مركز تجاري، لكن اختيار المدرج الروماني نقل الحدث من تشجيع رياضي إلى رسالة دولة. هذا هو الفرق بين من يرى الحدث كفعالية، ومن يراه كأداة لصناعة صورة بلد. رئيس الوزراء، في هذه اللحظة، تعامل مع كأس العالم كمنصة وطنية مفتوحة، بينما تعاملت وزارة السياحة معه كبرنامج علاقات عامة تقليدي.

ولا يمكن فصل هذا عن قرار رئيس الوزراء المتعلق بتأخير دوام القطاع العام في أيام مباريات المنتخب، وهو قرار نقل الرسالة من مجرد متابعة رياضية إلى حالة وطنية جامعة. Reuters نشرت أن الحكومة، بقرار من رئيس الوزراء جعفر حسان، سمحت بتأخير بدء دوام الموظفين في أيام مباريات المنتخب في كأس العالم كي يتمكن المواطنون من المتابعة والالتفاف حول المنتخب في مشاركته التاريخية الأولى. هذا القرار، مع مشهد المدرج، صنع إطاراً وطنياً كاملاً: الدولة لا تراقب الحدث من بعيد، بل تحتضنه وتحوّله إلى ذاكرة جماعية. (Reuters)

في المقابل، ما جرى على مستوى الترويج السياحي كان، برأيي، فشلاً إدارياً يتحمل وزير السياحة مسؤوليته السياسية والإدارية. نعم، أقامت الوزارة وهيئة تنشيط السياحة “بيت الأردن” في أرلينغتون بولاية تكساس، وقدّمت فيه الدبكة، والموسيقى الحية، والخط العربي، والفسيفساء، ومشاركة فرقة القوات المسلحة الأردنية، وبث مباريات كأس العالم، وسحوبات وهدايا من الملكية الأردنية. وهذه كلها عناصر جميلة على مستوى الفلكلور والهوية، لكنها لا تكفي لصناعة حملة عالمية حديثة. (Ministry of Tourism and Antiquities)
السؤال ليس: هل فعلوا شيئاً؟ السؤال: هل فعلوا الشيء الصحيح، للجمهور الصحيح، وبالأدوات الصحيحة؟

بيت الأردن، بصورته التي ظهرت، كان أقرب إلى فعالية للجالية الأردنية والمحيط القريب منها، لا إلى منصة اختراق للسوق الأميركي العريض. من يزور المكان في الأغلب يعرف الأردن مسبقاً، أو جاء بدافع الانتماء، أو يمر بالقرب من الفعالية. أما الجمهور الحقيقي الذي كان يجب مطاردته فهو المشاهد الأميركي والكندي والأوروبي الذي شاهد صورة المدرج أو سمع باسم الأردن للمرة الأولى، ثم كان يجب أن يجد أمامه إعلاناً رقمياً ذكياً، صفحة هبوط واضحة، باقات سفر، محتوى قصيراً، مؤثرين عالميين، وروابط مباشرة من الدهشة إلى الحجز.

وهنا يظهر الفارق بين عقلية رئيس الوزراء وعقلية الوزارة. رئيس الوزراء، أو على الأقل طريقة استغلاله للحظة، ذهبت إلى الجمهور من خلال صورة صادقة قابلة للانتشار. الوزارة انتظرت الجمهور في مكان محدد، داخل فعالية محددة، بأدوات تقليدية محددة. الأول فهم أن العالم اليوم تتحركه الصورة. والثاني بقي أسير الخيمة، واللوحة، والبروشور، والفعالية البروتوكولية.

أما “معرض الصور الرسمي” فكان المثال الأوضح على الفجوة بين عقلية الوزارة وعقلية العالم اليوم. فقد أُقيم في تكساس ضمن فعالية بعنوان: “الإيمان المسيحي في الأردن: أرض الوحي والمعمودية والحج”، بتنظيم من وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة وبالشراكة مع كنيسة First Baptist Church of Arlington في أرلينغتون، تكساس. ووفق ما نُشر رسمياً، تضمن البرنامج معرض صور لأبرز مواقع الحج المسيحي في الأردن، ومحاضرة متخصصة، وجلسة حوارية، وعروضاً عن تجربة الأردن في سياحة الحج المسيحي. (وكالة الانباء الاردنية)

لكن المشكلة ليست في إبراز مواقع الحج المسيحي، فهذه مادة مهمة جداً للأردن. المشكلة في الأداة. معرض صور في عام 2026، وسط كأس العالم، وفي السوق الأميركي، من دون تحويل رقمي واضح، يعني أن الوزارة ما زالت تفكر بعقلية لوحات معلقة على الجدران، لا بعقلية جمهور يمسك هاتفه بيده. أضعف الإيمان أن تحمل كل صورة QR Code ينقل الزائر فوراً إلى فيديو قصير، أو صفحة حجز، أو خريطة تفاعلية، أو قصة الموقع بلغات متعددة، أو رابط مباشر إلى برنامج سياحي يبدأ من المغطس وجبل نيبو ومادبا وينتهي بالبتراء ووادي رم والبحر الميت.

معرض الصور بهذه الطريقة ليس حملة تسويق، بل أرشيف متنقل. الصورة وحدها لم تعد تكفي، لأن الزائر اليوم لا يريد أن يرى فقط، بل يريد أن يضغط، ويمسح، ويشاهد، ويحفظ، ويرسل، وربما يحجز. عندما تضع صورة لموقع مقدس دون رابط، فأنت تقطع رحلة العميل في منتصفها. تثير فضوله ثم تتركه يمشي. أما عندما تضع QR Code ذكياً، فأنت تحوّل الصورة من لوحة صامتة إلى بوابة سياحية كاملة.

وهنا تظهر المقارنة القاسية. رئيس الوزراء استخدم المدرج الروماني كمنصة حية، بينما الوزير استخدم الصور كجدران صامتة. رئيس الوزراء، أو على الأقل الطريقة التي استُغلت بها فكرته، جعلت التاريخ يتنفس أمام العالم. الوزير عرض التاريخ كملف أرشيف. الأول صنع لحظة. الثاني أقام معرضاً. الأول جعل العالم يرى الأردن وهو يعيش تاريخه. الثاني طلب من الناس أن ينظروا إلى صور عن الأردن.

والأخطر أن الوزارة اختصرت الأردن، مرة أخرى، بالشماغ والمنسف والصورة التراثية ومعرض الصور، بينما صورة المدرج الروماني التي استثمرها رئيس الوزراء اختصرت الأردن بما هو أعمق وأقوى: تاريخ حي، جمهور حي، وبلد قادر أن يحوّل الأثر إلى مسرح عالمي. هناك فرق بين أن تعرض التراث كديكور، وبين أن تجعله يعيش أمام العالم.

والسؤال هنا بسيط ومؤلم: أين كانت الحملة الرقمية المصاحبة؟ أين صفحات الهبوط الموجهة للسوق الأميركي؟ أين إعادة استهداف كل من بحث عن Jordan بعد المباراة؟ أين النتائج القابلة للقياس لأي تعاون مع صناع المحتوى العالميين؟ أين حملة “Watch History Come Alive in Jordan”؟ أين الربط بين المدرج الروماني وجرش والبتراء ووادي رم والبحر الميت؟ أين المسار الذي يبدأ من لقطة انتشرت عالمياً وينتهي بسائح محتمل يضع الأردن على قائمة السفر؟

لو كانت الوزارة تملك نصف الحرفية التي ظهرت في استغلال رئيس الوزراء لمشهد المدرج، لكانت حولت كل صورة التقطتها Reuters إلى حملة رقمية. كل صورة للجمهور الأردني في المدرج كان يجب أن تصبح إعلاناً موجهاً في أميركا وكندا وأوروبا. كل مشهد تشجيع كان يجب أن يقود إلى صفحة “Visit Jordan”. كل تفاعل عالمي كان يجب أن يتحول إلى مسار سياحي يبدأ من عمّان وينتهي بتجربة أردنية كاملة.

لا يكفي أن نقول إننا حضرنا. السؤال الحقيقي: هل وصلنا؟ وهل قِسنا أثر الوصول؟ وهل حوّلنا الوصول إلى اهتمام؟ وهل حوّلنا الاهتمام إلى قرار سفر؟

حتى إذا قيل إن الحملة حققت مئات الملايين من التفاعلات الرقمية، فهذا الرقم وحده لا يكفي. فقد نُشر أن حملة الأردن خلال كأس العالم حققت أكثر من 500 مليون تفاعل عبر محركات البحث والمنصات الرقمية، لكن التسويق لا يُقاس بعدد الانطباعات وحدها، بل بجودة الانطباع، وبمصدره، وبسعره، وبنسبة التحويل بعده. من حق الأردنيين أن يعرفوا: كم زاد البحث عن الأردن؟ كم زادت زيارات الموقع السياحي الرسمي؟ من أي دول جاء التفاعل؟ كم بلغت تكلفة الوصول؟ كم شخصاً ضغط على رابط؟ كم شخصاً شاهد أكثر من فيديو؟ كم شخصاً دخل إلى صفحة حجز؟ وكم سائحاً محتملاً تحوّل فعلياً إلى مهتم أو حاجز؟ الفرق هنا أن رئيس الوزراء قدّم ما يمكن قياس أثره بصرياً فوراً: صورة وصلت إلى العالم. أما الوزارة فتقدّم أرقاماً عامة تحتاج إلى تفكيك. صورة المدرج لا تحتاج إلى شرح طويل؛ تراها فتفهم الأردن. أما “بيت الأردن” ومعرض الصور فيحتاجان إلى بيان رسمي طويل كي نفهم ماذا حدث فيهما. وهذا بحد ذاته يكشف الفرق بين التسويق الحديث والتسويق القديم.

لو كانت الوزارة تعمل بعقلية حديثة، لكانت حولت كل تداول لصورة المدرج إلى مسار سياحي كامل: من يشاهد المدرج يرى إعلاناً عن عمّان، ثم جرش، ثم البتراء، ثم وادي رم، ثم البحر الميت. لكنها، برأيي، تركت الفكرة العبقرية التي أحسن رئيس الوزراء استغلالها تعمل وحدها، بينما الجهاز الرسمي ظل يتحدث مع نفسه.

الخلاصة واضحة: رئيس الوزراء نجح لأنه فكر بالصورة، أو على الأقل عرف كيف يستثمرها لصالح الأردن بحرفية عالية. الوزير فشل لأنه فكر بالفعالية. رئيس الوزراء فهم أن العالم اليوم لا ينتظر بياناً رسمياً، بل ينجذب إلى مشهد صادق في توقيت صحيح. أما الوزارة فتعاملت مع كأس العالم كأنه مناسبة علاقات عامة، لا كأكبر منصة تسويقية مجانية حصل عليها الأردن منذ عقود.

لقد قالت صورة المدرج الروماني للعالم ما عجزت الحملة الرسمية عن قوله: هذا هو الأردن، تاريخ يعيش، لا آثار تُعرض فقط. ولهذا نجحت فكرة رئيس الوزراء، أو نجح استثماره للحظة، وفشل الوزير.

كأس العالم لن يمنح الأردن فرصة أولى مرة أخرى. وربما يمنحه فرصة ثانية فقط إذا امتلكنا شجاعة الاعتراف بأن المشكلة لم تكن في الدولة، بل في الإدارة. لم تنقصنا الإمكانات، بل نقصتنا الرؤية. لم تفشل الفكرة الوطنية، بل فشل من كان يفترض أن يحول لحظة الدولة إلى حملة عالمية.

دولة الرئيس، مكافحة الفساد لا تأخذ شكلاً واحداً، ولا ترتبط فقط بالعطاءات وتفاصيلها. هناك شكل آخر من الهدر أخطر أحياناً: هدر الفرص الوطنية الكبرى. قد تستطيع الدولة أن توقف عطاءً إذا شابته مخالفة، لكنها لا تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء. لا تستطيع أن تسترجع لحظة عالمية ضاعت. ولا تستطيع أن تعوض فرصة كان يمكن أن تضع الأردن في قلب الخريطة السياحية العالمية.

لقد نجحت الدولة في صناعة اللحظة. ونجح رئيس الوزراء في التقاط الصورة واستغلالها لصالح الأردن بحرفية عالية. وفشل الوزير في تحويلها إلى حملة.
والباقي عندك، دولة الرئيس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :