facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل أصبحت كرة القدم أكبر من العدالة؟ فيلم Moneyball أنموذجًا


أ. د. ماجد ابوزريق
08-07-2026 12:20 PM

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُحسم نتائجها داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت صناعة عالمية تتقاطع فيها الرياضة مع الاقتصاد والإعلام والسياسة والتكنولوجيا. ومع هذا التحول الهائل، لم يعد الحديث عن العدالة الرياضية مقتصرًا على تطبيق قوانين اللعبة، بل امتد ليشمل قدرة المؤسسات الرياضية على حماية ثِقة الجماهير في نزاهة المنافسة، وهي الثقة التي تُعد الركيزة الأساسية لاستمرار اللعبة وانتشارها.

لقد أعاد الجدل الذي رافق المباراة الأخيرة بين المنتخبين المصري والأرجنتيني إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق القرارات التحكيمية، وحول قدرة المنظومة الكروية العالمية على ترسيخ الشعور بالمساواة بين جميع المنتخبات، بغض النظر عن تاريخها أو جماهيريتها أو قيمتها التسويقية، وليس المقصود من هذه التساؤلات التشكيك في نزاهة الحكام أو الادعاء بوجود تلاعب أو توجيه للنتائج، فمثل هذه الادعاءات لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات، وإنما على الأدلة، غير أن الشعور الجماهيري بالعدالة لا يقل أهمية عن العدالة ذاتها، لأن الرياضة، في جوهرها، تقوم على الثقة قبل أي شيء آخر.

ولعل فيلم Moneyball يقدم نموذجًا فكريًا يَستحق التأمل في هذا السياق، فالفيلم لا يتحدث عن فساد أو مؤامرة، بل يكشف كيف يمكن للمنظومات الاقتصادية أن تُنتج تفوقًا مستمرًا لصالح من يمتلكون الموارد الأكبر، فالأندية الغنية تستطيع استقطاب أفضل اللاعبين والخبرات، وتَملك من الإمكانات ما يجعل فرص نجاحها أكبر بصورة طبيعية، بينما تجد الأندية محدودة الإمكانات نفسها مضطرة إلى الابتكار والعمل بوسائل غير تقليدية لمجرد البقاء في دائرة المنافسة.

هذه الفكرة لا تَعني أن الأغنياء ينتصرون دائمًا، لكنها تذكرنا بأن الاقتصاد أصبح عنصرًا مؤثرًا في تشكيل ملامح المنافسة الرياضية، ومن هنا يبرز سؤال مشروع: عندما تتحول المنتخبات الكبرى إلى علامات تجارية عالمية ترتبط بها عقود رعاية بمليارات الدولارات، وحقوق بث تلفزيوني ضخمة، وقواعد جماهيرية تمتد عبر القارات، فهل تستطيع المؤسسات الرياضية أن تضمن بقاء العدالة بمنأى عن كل هذه المصالح؟

إن المنتخبات الكبرى تمثل قيمة اقتصادية وإعلامية هائلة للبطولات الدولية، فوجودها في الأدوار المتقدمة يعني نسب مشاهدة أعلى، وعوائد تسويقية أكبر، وحضورًا إعلاميًا أوسع، وهذه حقيقة اقتصادية لا يمكن إنكارها، لكنها في الوقت ذاته تفرض مسؤولية مضاعفة على الهيئات الرياضية الدولية، حتى تَظل قراراتها وإجراءاتها فوق أي شبهة، وحتى لا يشعر المتابع بأن المكانة الاقتصادية لأي منتخب قد تمنحه أفضلية، ولو على مستوى الانطباع العام.

وقد شهدت المباراة الأخيرة بين مصر والأرجنتين نقاشًا واسعًا حول بعض الحالات التحكيمية التي رأى عدد من المحللين والجماهير أنها افتقرت إلى الاتساق في تطبيق القانون، بينما اعتبرها آخرون مجرد أخطاء بشرية أو اختلافًا في تقدير الحكام، وبغض النظر عن صحة أي من الرأيين، فإن القضية الأهم ليست القرار ذاته، وإنما أثره في تَعزيز أو إضعاف ثقة الجماهير بعدالة المنافسة.

فالرياضة ليست معصومة من الخطأ، والتحكيم سَيبقى عملًا بشريًا مهما تطورت التقنيات، لكن المؤسسات الرياضية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتَعزيز الشفافية، وتَطوير آليات المراجعة، وتقديم التفسيرات المقنعة للقرارات المثيرة للجدل، لأن حماية الثقة العامة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حماية اللعبة نفسها.

إن العدالة في الرياضة ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل هي أساس القيمة الاقتصادية والاجتماعية لكرة القدم، فالجماهير لا تمنح اللعبة وقتها وعاطفتها لأنها تعرف الفائز مسبقًا، بل لأنها تؤمن بأن الجميع يبدأون من نقطة واحدة، وأن القانون يُطبق على الجميع دون تمييز.

وستظل المنتخبات الكبرى مصدرًا للإبداع والإثارة، كما ستبقى المنتخبات الطامحة قادرة على صناعة المفاجآت والإنجازات، غير أن عظمة كرة القدم لا تُقاس بعدد النجوم ولا بحجم العوائد المالية، وإنما بقدرتها على إقناع كل لاعب وكل مشجع بأن العدالة هي الحكم الأول والأخير داخل المستطيل الأخضر.

فحين يشعر الجمهور بأن النزاهة والشفافية هما الأساس الذي تقوم عليه المنافسة، تَنتصر كرة القدم حقًا، ليس بفوز منتخب على آخر، بل بانتصار قيمها الإنسانية التي جعلت منها اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

*رئيس جامعة إربد الأهلية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :