لا تحاكموا الأوطان بالضجيج .. فالخير فيها هو الأصل
أ.د احمد منصور الخصاونة
08-07-2026 12:30 PM
في كل زمان، يخرج من يقف على حافة المشهد، لا يرى إلا مواضع العثرة، ولا يلتقط إلا ما يعكر الصفو، ولا يحدّث الناس إلا عن الجريمة والفساد والانحراف، حتى يخال السامع أن الخير قد غادر الأرض، وأن الوطن لم يعد سوى أطلالٍ تتداعى. وتلك نظرة لا تنصف وطنًا، ولا تقرأ التاريخ، ولا تدرك سنن الحياة.
فالأوطان لا تُعرف بما يعرض فيها من أحداث عابرة، ولا بما يطفو على سطحها من شوائب، وإنما تُعرف بما يرسخ في أعماقها من قيم، وبما تختزنه من رجال ونساء يحملون رسالة البناء، ويؤمنون أن مسؤولية الأوطان لا تُلقى على عاتق الحكومات وحدها، بل ينهض بها كل مواطنٍ شريف يرى في العمل عبادة، وفي الإخلاص واجبًا، وفي خدمة الناس شرفًا.
إن الشر ليس مولود هذا العصر، ولا الجريمة بنت هذا الجيل، ولا البذاءة ظاهرة مستحدثة؛ فمنذ أن عرف الإنسان الأرض، وهو يصارع نوازع الخير والشر، وتتنازع المجتمعات عوامل البناء والهدم. وما من أمة بلغت ذروة الحضارة إلا وعرفت الفساد كما عرفت الصلاح، وعرفت المجرمين كما أنجبت المصلحين، وعرفت الخونة كما احتضنت الأوفياء. لكن الأمم العظيمة لم تُهزم بوجود الشر، وإنما تنهزم إذا فقدت قدرتها على مقاومته، أو استسلمت لليأس، أو أقنعت نفسها أن الفساد هو قدرها المحتوم.
ومن الظلم أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن تصبح الحوادث الفردية عنوانًا لمجتمع بأكمله. فما أكثر الأيدي التي تبني في صمت، وما أكثر العقول التي تفكر بإخلاص، وما أكثر القلوب التي تنبض بحب الوطن بعيدًا عن الأضواء. هؤلاء لا تتحدث عنهم المنصات، ولا تتصدر صورهم نشرات الأخبار، لأن الخير بطبيعته هادئ، يعمل ولا يضج، ويؤثر ولا يتباهى، بينما الضجيج يجد طريقه سريعًا إلى العناوين.
وفي الأردن، كما في كل وطن حي، قد نرى تقصيرًا هنا، أو فسادًا هناك، أو جريمة تهز المشاعر، لكننا في المقابل نرى مؤسسات تؤدي رسالتها، وأجهزة تسهر على أمن الناس، ومعلمين يصنعون الأجيال، وأطباء يخففون آلام المرضى، وجنودًا يحرسون الحدود، وموظفين شرفاء يؤدون واجبهم بأمانة، وآلاف المتطوعين وأصحاب المبادرات الذين يصنعون الخير كل يوم دون أن ينتظروا تصفيقًا أو شهرة. هذه هي الصورة الحقيقية للوطن، أما ما عداها فشوائب تعالج، لا هوية يُختزل بها وطن.
وليس الدفاع عن الوطن تبريرًا للخطأ، ولا التغاضي عن الفساد، ولا الصمت عن التقصير. فالدولة القوية هي التي تفتح أبواب المحاسبة، وتطبق القانون على الجميع، وتؤمن أن الإصلاح لا يتحقق إلا بالعدل والشفافية وسيادة القانون. والنقد الصادق شريك في البناء، أما التهويل، وتعميم اليأس، وتصوير المجتمع وكأنه غارق في الظلام، فليس نقدًا، بل هدمٌ للثقة، وإضعافٌ للعزيمة، وخدمة مجانية لكل من يريد أن يرى هذا الوطن منكسِرًا.
لقد علمنا التاريخ أن الأوطان لا تسقط بكثرة أخطائها، وإنما تسقط حين يفقد أبناؤها الإيمان بها، ويستبدلون الأمل بالقنوط، والعمل بالشكوى، والمسؤولية بالتشكيك. أما إذا بقي فيها رجال يخلصون في أعمالهم، وأمهات يربين على القيم، وشباب يؤمنون بالمستقبل، وقيادة تحمل همّ الوطن، فإنها تمضي إلى الأمام مهما اشتدت العواصف.
إن الأردن لم يُبنَ في يومٍ واحد، ولم يصمد عبر العقود بالمصادفة، وإنما بناه رجال صدقوا العهد، وحفظوه بعرقهم وتضحياتهم، ورسخوا فيه قيم الدولة والاعتدال والانتماء. وسيبقى، بإذن الله، قويًا ما دام أبناؤه يؤمنون بأن الإصلاح مسؤولية، وأن القانون هو الميزان، وأن الخير هو الأصل، وأن الشر، مهما علا صوته، يبقى نشازًا لا يمثل إلا أصحابه.
فلا تحاكموا الأوطان بضجيج العابرين، ولا تجعلوا من الأخطاء مرآةً تختزل تاريخها وحاضرها ومستقبلها. انظروا إلى الجذور قبل الأغصان اليابسة، وإلى البناء قبل الشقوق، وإلى ملايين المخلصين قبل قلة المسيئين. فالأوطان العظيمة لا يحفظها المتشائمون، وإنما يحفظها المؤمنون بها، العاملون لها، الصابرون على طريق نهضتها.
وسيظل الأردن، بعون الله، وطن الرسالة، وموطن الرجال، وواحة الأمن والاستقرار، وبوابةً للفتح المكين، لأن الخير فيه أعمق من كل ضجيج، وأبقى من كل عثرة، وأقوى من كل من يحاول أن يجعل الاستثناء عنوانًا، أو اليأس مستقبلًا.