ثقة المستثمر… بوابة النمو الاقتصادي
الدكتور معتز جريسات
09-07-2026 07:28 PM
لا يدخل المستثمر إلى السوق برأس ماله فقط، بل يدخل أولًا بثقته. فقبل أن يبحث عن الفرصة الاقتصادية، يبحث عن البيئة التي تحمي هذه الفرصة، وعن مؤسسات تمنحه وضوحًا في الإجراءات واستقرارًا في القرارات.
ومن هنا، فإن الحديث عن الاستثمار لا يتعلق فقط بحجم الحوافز أو عدد المشاريع، بل يرتبط بقدرة الدولة على توفير بيئة يشعر فيها المستثمر بالاطمئنان، ويجد فيها قوانين واضحة وإجراءات تساعده على اتخاذ قراراته بثبات.
وفي هذا السياق، تظهر بين الحين والآخر قضايا تتعلق بقرارات إدارية تمس بعض المشاريع الاستثمارية، لتنتهي لاحقًا أمام القضاء الإداري. ومهما كانت تفاصيل كل قضية، فإن الدرس الأهم يتمثل في ضرورة أن تكون القرارات الإدارية مبنية على أسس قانونية واضحة وإجراءات دقيقة، بما يقلل من النزاعات ويعزز استقرار بيئة الأعمال.
لقد قطع الأردن خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في تحديث التشريعات الاقتصادية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير الأدوات التي تساعد على استقطاب رؤوس الأموال، وهي جهود تستحق الدعم والبناء عليها. وقد حظي هذا المسار باهتمام مباشر ومتواصل من جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أكد في مختلف المحافل أهمية تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وإزالة المعيقات أمام المستثمرين، وتطوير الإدارة العامة بما يخدم مسيرة التحديث الاقتصادي ويوفر فرص العمل.
ويبدأ الاستثمار الناجح والآمن من وجود جهة مرجعية واضحة تقود المستثمر وتساعده على الوصول إلى الفرص المناسبة، وهنا تبرز أهمية وزارة التخطيط والتعاون الدولي باعتبارها إحدى البوابات الأساسية في رسم الأولويات التنموية، وربط احتياجات الاقتصاد الوطني بالفرص الاستثمارية المتاحة.
فدور الوزارة لا يقتصر على التخطيط ووضع الرؤى، بل يمتد إلى تقديم الإرشاد، وتسهيل الوصول إلى المعلومات، والمساهمة في معالجة التحديات التي قد تواجه المستثمر، بما يجعلها نافذة مهمة لفهم أولويات السوق واحتياجاته التنموية. وكلما كان المسار الاستثماري أكثر وضوحًا منذ الخطوة الأولى، زادت فرص نجاح المشاريع وتحقيق أثرها الاقتصادي.
وفي إقليم تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والسياسية، يشكل الاستقرار الذي يتمتع به الأردن ميزة مهمة ينبغي تعزيزها وتحويلها إلى فرص اقتصادية حقيقية، من خلال مواصلة تطوير الإجراءات ورفع كفاءة الأداء.
إلا أن نجاح أي مسار استثماري لا يرتبط بالتشريعات وحدها، بل بمدى وضوح تطبيقها، وسرعة إنجاز المعاملات، وقدرة المستثمر على معرفة الطريق الذي يسلكه منذ بداية مشروعه وحتى تشغيله.
فالمستثمر لا يبحث عن الحوافز فقط، بل يبحث أيضًا عن بيئة يمكن توقع قراراتها، ومؤسسات تعمل وفق معايير واضحة، وإجراءات تقلل من التعقيد واختلاف التفسيرات. وهذه العناصر أصبحت اليوم من أهم عوامل المنافسة بين الدول في جذب الاستثمارات.
ولا ينتقص من مكانة المؤسسات أن تخضع قراراتها للرقابة القضائية، بل على العكس، فإن وجود قضاء إداري مستقل وفاعل يمثل ضمانة أساسية لدولة القانون، ويؤكد أن حقوق المستثمرين محفوظة ضمن إطار مؤسسي واضح.
إن كل تجربة، مهما كانت تفاصيلها، يجب أن تتحول إلى فرصة لمراجعة الإجراءات، وتطوير الأداء، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يساعد على بناء بيئة استثمارية أكثر استقرارًا وجاذبية. فالمنافسة على جذب الاستثمار لم تعد تقوم على الحوافز وحدها، بل على جودة الإدارة، وسرعة الإنجاز، واستقرار القرار.
إن تعزيز الاستثمار مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من التشريع، وتمر بالإدارة، وتنتهي بترسيخ الثقة. وكلما نجحنا في بناء بيئة أكثر وضوحًا واستقرارًا، اقتربنا أكثر من تحقيق نمو اقتصادي مستدام ينعكس أثره على المجتمع بأكمله.