حين تُحصر البلديات في الهندسة .. هل نُضيّق الديمقراطية باسم الكفاءة؟
د. دانييلا القرعان
13-07-2026 02:50 PM
من حق الحكومة أن تبحث عن أفضل السبل لتطوير الإدارة المحلية، ومن حقها أن تسعى إلى رفع كفاءة البلديات التي تعاني منذ سنوات من أزمات مالية وإدارية وخدمية، لكن، من حق الأردنيين أيضاً أن يتساءلوا: لماذا يُراد اختزال رئاسة البلدية في تخصص جامعي واحد؟
إذا أصبح رئيس البلدية ملزماً بأن يكون مهندساً، فما الرسالة التي نوجهها إلى بقية أبناء الوطن؟ هل نقول للإداري، والاقتصادي، والمحامي، وأستاذ الجامعة، ورجل الأعمال، وكل من يمتلك خبرة طويلة في الإدارة العامة: شكراً لكم، لكن القانون لا يراكم مؤهلين لقيادة بلدية!
المفارقة أن الدولة نفسها لا تشترط تخصصاً محدداً لمعظم المناصب السياسية والإدارية العليا، فالوزير قد ينجح لأنه قائد وصاحب رؤية، لا لأنه يحمل شهادة مطابقة لحقيبته والمحافظ يُختار لخبرته الإدارية، لا لتخصصه الأكاديمي، وحتى رؤساء الحكومات لم يكونوا جميعاً من تخصص واحد. فلماذا تُفرض هذه القاعدة على البلديات وحدها؟
لا أحد يختلف على أهمية الهندسة في العمل البلدي، لكن رئيس البلدية لا يجلس خلف طاولة الرسم ليضع المخططات، ولا يحمل جهاز المساحة ليرسم الشوارع، هناك أجهزة فنية كاملة تقوم بهذه المهمة، أما الرئيس، فدوره أن يقود، ويحاسب، ويقرر، ويوازن بين احتياجات الناس والإمكانات المتاحة.
الأخطر من ذلك أن هذا الشرط قد يحرم المجتمع من قيادات محلية أثبتت نجاحها لسنوات، فقط لأنها درست تخصصاً آخر، وهنا يصبح القانون أداة لتضييق دائرة المنافسة، بدلاً من توسيعها.
قد يكون لدى الحكومة مبرراتها، وربما ترى أن البلديات تحتاج إلى عقل هندسي أكثر من أي وقت مضى. لكن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإقصاء التخصصات الأخرى، بل ببناء منظومة عمل تجعل القرار نتاج فريق متكامل، لا نتاج شهادة واحدة.
إن الديمقراطية تقوم على أن يختار المواطن من يراه الأصلح، لا أن يختار القانون عنه مسبقاً، وإذا كان الناخب يخطئ فإن صندوق الاقتراع كفيل بتصحيح الخطأ في الدورة التالية، أما حين يُغلق باب الترشح أمام فئات واسعة فإن الخسارة لا تقع على الأشخاص بل على حق المجتمع في الاختيار.
قد يمر هذا النص كما هو، وقد يعدله مجلس النواب، لكن المؤكد أن الجدل لن يتوقف، لأن القضية تجاوزت سؤال "من يحق له الترشح؟" إلى سؤال أكبر: هل نريد إدارة محلية أكثر كفاءة، أم نريد إدارة محلية أقل تمثيلاً؟ وهل يمكن تحقيق الأولى دون التضحية بالثانية؟
إن الحكمة التشريعية تقتضي الجمع بين الكفاءة والانفتاح، لا وضعهما في مواجهة بعضهما. فالأردن لا يعاني نقصاً في المهندسين، كما لا يعاني نقصاً في القيادات الوطنية من مختلف التخصصات. والتحدي الحقيقي ليس في نوع الشهادة، بل في نوع الإنسان الذي يحملها، وفي قدرته على خدمة الناس، وصون المال العام. وبناء مدينة يشعر أهلها أنها تُدار بعقول مفتوحة لا بعناوين جامعية مغلقة.