إستراتيجية التحول التربوي: بين هواجس النخب وواقعية القرار المؤسسي
فيصل تايه
14-07-2026 10:36 AM
يقف قطاع التعليم في الأردن اليوم أمام واحدة من أدق مراحل التطوير في تاريخه؛ مرحلة تتجاوز حدود التعديلات الفنية إلى إعادة صياغة فلسفة التعليم بما ينسجم مع رؤية الدولة للتحديث، ويؤسس لمنظومة تعليمية أكثر قدرة على إعداد الإنسان الأردني لمتطلبات المستقبل، مع الحفاظ على ثوابته الوطنية وقيمه الراسخة.
ولأن التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء الإنسان وصون الهوية الوطنية، فمن الطبيعي أن ترافق مسيرة تطويره نقاشات وطنية واسعة، تتجلى في صالونات الفكر ومنصات الرأي، وتثير تساؤلات مشروعة حول المناهج، والمسارات المهنية والتقنية المستحدثة، وعلى رأسها مشروع (BTEC)، إضافة إلى إعادة هندسة العبء الدراسي، والتعديلات التي طالت حصص بعض المواد الأساسية، ومنها التربية الإسلامية.
ولأن القضايا الوطنية الكبرى لا تُقرأ بمنطق الاصطفاف، وإنما بمنطق المسؤولية والوعي بطبيعة المرحلة، فإن مقاربة هذا المشهد تفرض الابتعاد عن الأحكام المتعجلة، والذهاب إلى تحليل متوازن يضع الاعتبارات الوطنية والمؤسسية في إطارها الصحيح، وصولاً إلى مقاربة تنصف مختلف الأطراف، وتدعم صانع القرار في الحكومة ووزارة التربية والتعليم والميدان التربوي.
ولعل من الموضوعية في قراءة هذا المشهد التوقف عند ما أُثير من تساؤلات وملاحظات من قبل عدد من التربويين والخبراء والمهتمين بالشأن التعليمي، وهي ملاحظات تستحق أن تُقرأ في إطارها الوطني والعلمي؛ إذ إن الحرص على جودة التعليم، وحماية الثوابت والقيم التي تشكل وجدان المجتمع الأردني، يمثل قاسماً مشتركاً بين مختلف الأطراف .
كما أن الدعوة الى اسناد السياسات التعليمية إلى دراسات علمية منشورة، وبيانات إحصائية، وتقييمات ميدانية واضحة، تمثل مطلباً مشروعاً يعزز الثقة العامة بالقرارات الكبرى. فالإصلاح التربوي، كلما استند إلى المعرفة والشفافية، ازدادت قدرته على الاستمرار، وحظي بتوافق وطني يمنحه الشرعية المجتمعية والاستدامة المؤسسية.
ومن هذا المنطلق، فإن النقد العلمي الرصين لا يُضعف وزارة التربية والتعليم، بل يعزز قدرتها على مراجعة سياساتها وتطويرها في إطار العمل المؤسسي، بما يعزز ثقة المجتمع بمسار الإصلاح، ويحصّن القرارات من أن تكون رهينة للظرف أو المرحلة.
وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي النظر إلى الوجه الآخر من المشهد، والمتمثل في طبيعة القرار المؤسسي وكيفية اختباره على أرض الواقع؛ إذ إن التعديلات الأخيرة المتعلقة بالعبء الدراسي لم تكن قرارات ارتجالية أو استجابة آنية لضغوط ظرفية، وإنما جاءت ضمن رؤية فنية أقرتها المجالس المختصة، وخضعت للتطبيق والتقييم في الميدان المدرسي على مدى يزيد على عام.
وقد أظهرت التجربة الميدانية استقراراً في سير العملية التعليمية، دون مؤشرات تدل على تراجع في منظومة القيم أو المساس بالثوابت الوطنية التي يقوم عليها النظام التعليمي، وهو ما يعكس قدرة المؤسسة التعليمية على إدارة التحول بصورة متدرجة ومتوازنة.
كما تعكس هذه التجربة نهجاً مؤسسياً يجمع بين تخفيف الأعباء الدراسية عن الطلبة، ومواكبة المعايير التعليمية الحديثة، والاستجابة للتحولات التي يشهدها سوق العمل، من خلال تطوير التعليم المهني والتقني، وإعادة هيكلة المسارات التعليمية بما يخدم متطلبات الاقتصاد الوطني ومستقبل الأجيال.
ومع ذلك، فإن نجاح التطبيق الأولي لا يعني أن مسيرة الإصلاح بلغت غايتها؛ فالإصلاح الحقيقي عملية تراكمية مستمرة، تستند إلى التقييم الدوري، وقياس الأثر، والاستعداد لتطوير السياسات كلما كشفت التجربة الميدانية ما يستوجب المراجعة أو التحسين. فالمؤسسات القوية لا تتمسك بالقرارات لمجرد صدورها، وإنما تطورها باستمرار وفق المعرفة والخبرة والنتائج الواقعية.
ومن هنا، تتبلور المعادلة الوطنية التي ينبغي أن تحكم مسيرة الإصلاح التربوي خلال المرحلة المقبلة، وهي أن قوة الدولة التعليمية تكمن في تكامل الأدوار لا في تصادمها. فلا غنى للمؤسسة الرسمية عن الرأي العلمي الذي تقدمه النخب، بما يوفره من مراجعة منهجية وتحصين للقرارات، كما لا غنى للميدان عن مؤسسة تنفيذية تمتلك الشجاعة والقدرة على المضي في مشاريع التطوير بثبات، بعيداً عن الانشغال بالجدل الظرفي الذي قد يرافق مراحل التحول.
فالدول الواثقة بمؤسساتها لا تخشى الحوار العلمي، بل تنظمه وتستثمره باعتباره رافداً لتحسين السياسات العامة وتعزيز جودتها. فالحوار المؤسسي الرصين لا يربك القرار، وإنما يمنحه عمقاً وشرعية وقدرة أكبر على الاستمرار، ويجعل الإصلاح مشروعاً وطنياً تشترك فيه الخبرات وتتلاقى فيه المسؤوليات.
وعندما تلتقي الخبرة العلمية مع المسؤولية التنفيذية، تتعزز الثقة بالمؤسسات، وتترسخ استدامة السياسات العامة، ويتحول الإصلاح إلى مشروع دولة لا يرتبط بالأفراد، ولا يتأثر بالظروف العابرة، بل يقوم على رؤية واضحة ومصلحة وطنية عليا.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على كسب جدل إعلامي مؤقت، ولا على انتصار رأي على آخر، وإنما على حماية استقرار البيئة التعليمية، وتعزيز جودة مخرجاتها، وترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته، والمضي في مشروع التحديث بعقل منفتح، وحوار مسؤول، وإرادة وطنية تستند إلى العلم، وتحترم الثوابت، وتستشرف المستقبل.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الجدل الذي يرافقه، وإنما بقدرته على بناء الإنسان، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتحقيق المصلحة الوطنية العليا.
ويبقى الأردن، بقيادته ومؤسساته وكفاءاته الوطنية، جديراً بأن نبذل من أجله أفضل ما لدينا، وأن نجعل من التعليم بوابة راسخة نحو التنمية والنهضة والازدهار، باعتباره الاستثمار الأسمى في الإنسان، والضمانة الأقوى لمستقبل الدولة واستقرارها.
والتوفيق أولاً وأخيراً من عند الله.