يأتي مشروع قانون الإدارة المحلية لعام 2026 في مرحلة مفصلية من مسار التحديث السياسي والإداري في الأردن، متزامنًا مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية. ولا يمثل المشروع مجرد تعديل تشريعي، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الانتقال من الإدارة المركزية التقليدية إلى مفهوم الحكم المحلي الذي يمتلك صلاحيات أوسع ويتحمل مسؤولياته التنموية.
ويحمل المشروع العديد من المؤشرات الإيجابية التي لا يمكن تجاهلها. فهو يعيد تنظيم العلاقة بين المجالس البلدية والأجهزة التنفيذية من خلال الفصل بين رسم السياسات والتنفيذ، ويعزز مبادئ الحوكمة والشفافية بإلزامية تقارير الأداء الدورية، كما يوسع المشاركة المجتمعية برفع تمثيل المرأة إلى 30%، وإشراك الشباب في مجالس المحافظات، إلى جانب تبني مفهوم الموازنة التشاركية وتشجيع الشراكة مع القطاع الخاص والتحول الرقمي، وهي جميعها خطوات تنسجم مع متطلبات الإدارة الحديثة.
إلا أن هذه الإيجابيات تصطدم بسؤال جوهري: هل يمنح القانون المجالس المحلية سلطة حقيقية، أم يعيد إنتاج المركزية بصيغة جديدة؟
فالمشروع ما يزال يمنح الحكومة صلاحيات واسعة في حل المجالس والإشراف المالي وتعيين المديرين التنفيذيين، بينما تتحمل المجالس المنتخبة مسؤولية الإنجاز أمام المواطنين دون أن تمتلك كامل أدوات القرار. كما أن استبدال الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات بآلية التعيين من هيئات منتخبة أثار تساؤلات حول مدى انسجام المشروع مع فلسفة اللامركزية التي قامت أساسًا على توسيع المشاركة الشعبية.
ويزداد هذا الجدل مع منح المدير التنفيذي صلاحيات واسعة، في الوقت الذي أُرجئت فيه تفاصيل هذه الصلاحيات إلى أنظمة وتعليمات تصدر لاحقًا، وهو ما يضعف الرقابة التشريعية ويخلق حالة من عدم اليقين التشريعي بشأن حدود العلاقة بين المجلس المنتخب والإدارة التنفيذية، إلى جانب مدى فاعلية المواد القانونية التي تضمنها مشروع القانون في تمكين منظومة الرقابة والمساءلة على أداء المجالس المنتخبة وأعضائها عند التطبيق الفعلي.
كذلك يحمّل المشروع البلديات مسؤوليات فنية وقانونية قد تتجاوز إمكاناتها، بينما يبقي ملفات أساسية مثل النقل العام وإدارة النفايات ضمن أدوار غير حاسمة، الأمر الذي قد يحد من قدرتها على قيادة التنمية المحلية.
إن نجاح أي قانون للإدارة المحلية لا يقاس بعدد المواد التي يتضمنها، بل بمدى قدرته على نقل السلطة الفعلية إلى المحافظات والبلديات. فاللامركزية ليست مجرد إعادة توزيع للمهام، وإنما إعادة توزيع للقرار والمسؤولية والموارد. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز استقلالية المجالس المنتخبة، وتقليص مظاهر الوصاية المركزية، وإشراك المجالس في اختيار المدير التنفيذي أو الموافقة عليه، وإعادة النظر في آلية تشكيل مجالس المحافظات بما يعزز التمثيل الشعبي، إلى جانب منح البلديات صلاحيات واضحة في إدارة الملفات التنموية والخدمية، مع توفير الموارد المالية التي تمكنها من أداء دورها بكفاءة.
وفي النهاية، يمثل مشروع القانون خطوة مهمة على طريق الإصلاح، لكنه لن يحقق أهدافه إذا بقي القرار الحقيقي متمركزًا في العاصمة. فالتنمية المحلية لا تُبنى بالتشريعات وحدها، بل بثقة الحكومة في المجالس المنتخبة، ومنحها الصلاحيات والموارد والمسؤولية.
وعندها فقط يمكن للإدارة المحلية أن تتحول من جهاز خدمي محدود إلى شريك حقيقي في صناعة التنمية وتحقيق رؤية الأردن المستقبلية.