عندما تتحول التفاهمات إلى أداة للابتزاز: مقامرة طهران الاستراتيجية وخسائرها المحتملة
د. عبدالحفيظ العجلوني
14-07-2026 12:05 PM
لم يكد يجف حبر مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتلوح في الأفق بوادر تهدئة في منطقة الخليج، حتى اصطدمت الآمال الدبلوماسية باختبار صعب.
فبعد جهود مضنية بذلتها باكستان وقطر وسلطنة عُمان لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، كان يُؤمل أن تؤسس المذكرة لمرحلة جديدة تقوم على خفض التصعيد، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وفتح باب التفاوض حول الملفات الخلافية خلال المهلة الزمنية المحددة بستين يومًا.
غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا المسار واجه عقبات جدية، وأن طهران اختارت التعامل مع الاتفاق بمنطق مختلف عن الهدف الذي سعت إليه الدول الوسيطة.
فبدلًا من النظر إلى مذكرة التفاهم باعتبارها فرصة لإعادة بناء الثقة وتخفيف العزلة، أصرت القيادة الإيرانية على تفسير الفقرة الخامسة منها باعتبارها تمنحها حق إدارة مضيق هرمز والإشراف المنفرد على حركة الملاحة فيه.
ولم يقتصر الأمر على تبني هذا التفسير، بل سعت إلى تكريسه عمليًا من خلال استخدام القوة لاعتراض واستهداف السفن التي حاولت عبور المضيق عبر الممر البحري المحاذي لسلطنة عُمان وضمن مياهها الإقليمية، في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين محاولة لفرض أمر واقع جديد يتجاوز ما تقره قواعد القانون الدولي للبحار ومبادئ حرية الملاحة.
إن جوهر الأزمة لا يكمن في اختلاف حول تفسير إحدى فقرات مذكرة التفاهم، بل في محاولة تحويل هذا التفسير الأحادي إلى واقع تفرضه القوة العسكرية. فمضيق هرمز ليس ممرًا بحريًا يخص دولة بعينها، وإنما أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وتعتمد عليه حركة الطاقة والتجارة الدولية بصورة مباشرة.
ومن هنا، فإن أي محاولة لإخضاع الملاحة فيه لإرادة طرف واحد تمثل سابقة بالغة الخطورة، من شأنها تقويض منظومة الأمن البحري ورفع مستوى التوتر في الإقليم، فضلًا عن تهديد استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ويبدو أن طهران راهنت على أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة تمنحها ورقة ضغط فعالة في مواجهة الولايات المتحدة، وأن استخدامها لمضيق هرمز كورقة تفاوض سيدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات إضافية.
غير أن هذا الرهان ينطوي على مخاطر كبيرة؛ فالضغط لا يطال الولايات المتحدة وحدها، بل يمتد إلى مصالح الدول الخليجية المصدرة للطاقة، والدول الصناعية المستوردة لها، والأسواق العالمية التي تعتمد على استقرار هذا الممر البحري الحيوي.
ومن شأن أي تصعيد من هذا النوع أن يدفع قوى إقليمية ودولية متعددة إلى إعادة النظر في قواعد الاشتباك، واتخاذ مواقف أكثر تشددًا لحماية مصالحها الاستراتيجية وضمان استمرار حرية الملاحة.
ولم يكن مستغربًا أن ينعكس هذا المسار سلبًا على الدول التي بذلت جهود الوساطة. فقد استثمرت باكستان وقطر وسلطنة عُمان رصيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا كبيرًا لإنجاح مسار التهدئة، انطلاقًا من قناعتها بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنيب المنطقة مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، اكتسبت دعوة وزير الدفاع الباكستاني لإيران إلى خفض التصعيد، قبيل استئناف المواجهات العسكرية، أهمية خاصة؛ إذ عكست حجم القلق من انهيار التفاهمات وضياع أشهر من العمل الدبلوماسي الذي بذله الوسطاء، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الأزمة الثنائية.
وإذا استمرت طهران في انتهاج سياسة فرض الأمر الواقع، فإنها تخاطر بأن تكون الخاسر الأكبر على المستويات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية.
فمحاولة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو إخضاعها بالقوة قد تستدعي ردودًا عسكرية واسعة من قوى دولية تعتبر أمن هذا الممر البحري جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، ولن تقبل بتحويله إلى أداة ابتزاز سياسي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تأتي هذه المقامرة في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني تحديات كبيرة ناجمة عن العقوبات، وتراجع الاستثمارات، والضغوط المعيشية الداخلية.
ومن شأن أي تصعيد إضافي أن يزيد من حدة العزلة الاقتصادية، ويقوض فرص تخفيف القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية، ويبدد أي فرصة لالتقاط الأنفاس كان يمكن أن تتيحها التفاهمات الأخيرة، بما يفاقم الضغوط على الاقتصاد الإيراني ويحد من فرص تعافيه.
أما دبلوماسيًا، فإن تقويض الجهود التي بذلتها الدول الوسيطة، والتصعيد في محيط المياه الإقليمية للدول المجاورة، من شأنه أن يضعف الثقة الإقليمية والدولية في التزام إيران بالاتفاقات، وأن يزيد من اتساع الفجوة بينها وبين محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي.
فالدول التي تستثمر جهودًا سياسية كبيرة لإنجاح الوساطات تتوقع من جميع الأطراف احترام التزاماتها، لا تحويل الاتفاقات إلى أدوات لفرض وقائع جديدة، الأمر الذي قد يترك آثارًا بعيدة المدى على مكانة إيران الدبلوماسية.
إن استقرار الخليج ليس امتيازًا تمنحه دولة أو تحجبه وفقًا لحساباتها السياسية، كما أن أمن مضيق هرمز مسؤولية دولية تتجاوز حدود أي طرف منفرد.
وإذا أصرت إيران على مواصلة نهجها القائم على فرض الأمر الواقع واستخدام الملاحة الدولية كورقة ضغط سياسية، فإنها لن تكون بصدد اختبار إرادة الولايات المتحدة وحدها، بل إرادة المجتمع الدولي بأسره في حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وعندئذٍ قد تجد نفسها أمام عزلة أعمق، وضغوط اقتصادية أشد، ومواجهة سياسية وربما عسكرية تتجاوز بكثير أي مكاسب آنية راهنت على تحقيقها، لتتحول ورقة الضغط التي سعت إلى توظيفها إلى عبء استراتيجي يضاعف من كلفة خياراتها ويقلص هامش حركتها في المستقبل.