facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مشروع قانون الجامعات .. إعادة تنظيم إداري أم بناء للمستقبل الاستراتيجي؟


فيصل تايه
15-07-2026 09:11 AM

لم يكن السجال الذي شهدته أروقة مجلس النواب أمس حول مشروع القانون المعدِّل لقانون الجامعات الأردنية مجرد نقاش إجرائي حول بنود وتشريعات، بل كان حوارًا وطنيًا يعكس الحرص على تطوير منظومة التعليم العالي ومواءمتها مع مشروع التحديث الشامل الذي يمر به الأردن في مئويته الثانية. فحين يوضع قانون الجامعات على طاولة المشرّع، فإن النقاش يتجاوز التفاصيل الإدارية ليلامس جوهر بناء رأس المال البشري، وتأهيل العقول القادرة على قيادة تطلعات الدولة المستقبلية.

وانطلاقًا من أهمية هذا المشروع وتأثيره المباشر في مستقبل مؤسسات التعليم العالي، فإن قراءته لا ينبغي أن تقتصر على حدود النصوص والإجراءات، بل يجب أن تمتد إلى أبعاده الاستراتيجية المتعلقة بالحوكمة الجامعية، والاستقلال المؤسسي، والاستدامة المالية، ودور الجامعة في بناء اقتصاد المعرفة وتأهيل الإنسان القادر على قيادة المرحلة المقبلة.

ومن هنا يفرض المشروع سؤالًا جوهرياً: أي جامعة يريد الأردن أن يبني في المرحلة المقبلة؟ وهل يمثل هذا التعديل فرصة لتعزيز كفاءة الإدارة الجامعية، وتأكيد دور الجامعة كشريك تنموي رئيس في بناء الدولة الحديثة؟

إن قوانين الجامعات ليست مجرد أطر تنظيمية، بل هي البيئة القانونية التي تحدد قدرة المؤسسات الأكاديمية على إنتاج المعرفة، وتحقيق التنافسية، والاستجابة لتحديات المستقبل. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لأي جهد تشريعي لا تكمن فقط في مواده وصلاحياته، بل في الفلسفة التي ينطلق منها، والأثر الذي سيتركه على الطالب والأستاذ والباحث والمجتمع.

فالتشريع الجامعي لا ينجح بمجرد تنظيم العلاقة بين مكونات الإدارة، وإنما بقدرته على خلق بيئة محفزة للتميز الأكاديمي والبحثي، وتمكين الجامعات من الانتقال من مرحلة إدارة الموارد المتاحة إلى مرحلة صناعة الفرص وبناء القدرات.

وفي هذا المنعطف الوطني، الذي يتقاطع مع مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري التي يقودها الأردن، تقف الجامعات كرافعة حقيقية لإنجاح التحولات الوطنية وتأهيل قياداتها. فالدولة التي تستشرف مستقبلها تنظر إلى التعليم العالي باعتباره استثمارًا استراتيجياً يسهم في ترسيخ الأمن المعرفي وتوطين الابتكار وتعزيز مكانة الأردن في عالم تتحدد فيه قوة الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة.

وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير والجدل الذي يرافق تفاصيل القانون حالياً؛ إذ يتباين الرأي بين رؤية ترى في زيادة عدد أعضاء مجالس الأمناء وتوسيع صلاحياتها خطوة نحو تعزيز الحوكمة والمساءلة، وبين رؤية أكاديمية وتنفيذية تحذر من تداخل الاختصاصات بما قد يؤثر في قدرة رئيس الجامعة على اتخاذ القرار الأكاديمي السريع والمستقل.

إن التحدي الحقيقي لا يرتبط بعدد المقاعد داخل مجالس الأمناء، بل بـ تكامل الأدوار ووضوح المسؤوليات. فزيادة عدد الأعضاء يجب أن تكون فرصة لاستقطاب خبرات نوعية في مجالات التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال واقتصاد المستقبل ، قادرة على دعم استقلالية الجامعة المالية وبناء شراكات فاعلة مع القطاعات المختلفة، لا أن تتحول إلى توسع في الهياكل الإدارية أو تعدد في مراكز القرار.

فالجامعة تحتاج إلى حوكمة رشيدة تقوم على التوازن؛ بحيث تتولى مجالس الأمناء رسم السياسات الكبرى، ودعم التوجهات الاستراتيجية، وتنمية الموارد، بينما تبقى الإدارة الأكاديمية التنفيذية قادرة على ممارسة دورها في إدارة الشأن الجامعي واتخاذ القرارات التي تتطلب معرفة دقيقة بطبيعة البيئة الأكاديمية.

ولا يمكن فصل استقلال القرار الأكاديمي عن الاستقرار المالي واستدامة الموارد؛ فالقانون الحصيف هو الذي يفتح المجال أمام الجامعات لبناء نماذج تمويل أكثر مرونة، من خلال تطوير الأوقاف الجامعية، وتعزيز الشراكات الاستثمارية، وتحويل المعرفة والبحث العلمي إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية.

فالاستقلال المالي لا يعني الانفصال عن الدولة، بل يعني امتلاك القدرة على تنويع مصادر الدخل، واستقطاب الكفاءات، ودعم البحث العلمي، ومواجهة تحديات مثل هجرة العقول وشيخوخة الملاك التدريسي، بما يعزز قدرة الجامعات على المنافسة محلياً وعالمياً.

وهذا التحول يحتاج إلى قيادة جامعية مختلفة؛ فالجامعة اليوم لا تحتاج فقط إلى من يدير الإجراءات اليومية، بل إلى قائد يمتلك رؤية استراتيجية، ويبني الشراكات، ويستشرف المستقبل، ويحّول التحديات إلى فرص.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية المتسارعة، أصبحت المرونة التشريعية ضرورة حتمية؛ فالجامعات بحاجة إلى القدرة على استحداث تخصصات نوعية، وتطوير برامج بينية، ومراجعة البرامج التي لم تعد تستجيب لحاجات المستقبل. فالجامعة الحديثة لا تكتفي بتخريج الطلبة، بل تعمل على إعدادهم بمهارات قادرة على مواكبة التحولات العالمية في مجالات التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال.

ومهما بلغت التشريعات من رصانة، فإن نجاحها يبقى مرتبطًا بتحولها إلى ثقافة مؤسسية داخل الجامعة، يكون فيها الأستاذ الجامعي حجر الزاوية، من خلال تمكينه وتوفير البيئة التي تحفز البحث والإبداع والتميز الأكاديمي.

ومن القضايا الجوهرية التي تستحق نقاشاً متزناً مسألة مدة تولي رئيس الجامعة لموقعه وآلية تقييم أدائه. فاستقرار القيادة الجامعية ضرورة لتحقيق الرؤى الاستراتيجية وتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة، لكنه يجب أن يقترن بمنظومة تقييم موضوعية تستند إلى مؤشرات أداء واضحة، تشمل القدرة على تطوير البرامج الأكاديمية، وتعزيز التمويل، وتحسين تنافسية الجامعة ومكانتها العلمية. فالتحدي ليس في طول المدة أو قصرها، بل في ربط استمرار القيادة بالكفاءة والإنجاز؛ بحيث لا تصبح المدة حماية لضعف الأداء، ولا يصبح التغيير المستمر عائقًا أمام استقرار المشاريع الأكاديمية والتنموية.

وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لأي تعديل تشريعي لن تقاس بعدد مواده، ولا بسرعة إقراره، وإنما بما سيحدثه من أثر مستدام في جودة التعليم، وفي قدرة الجامعات على إعداد أجيال قادرة على خدمة الوطن والمنافسة عالمياً.

ويبقى السؤال المصيري أمام المشرّعين وصناع القرار: هل نبحث فقط عن قانون يعيد تنظيم إدارة الجامعات، أم نمتلك الرؤية والشجاعة لإقرار تشريع يبني جامعة المستقبل الأردني؟

فمستقبل الأوطان يكتبه الإنسان القادر والمؤهل، والجامعات المستقرة والحرّة والمسؤولة هي المصنع الحقيقي لصياغة ذلك المستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :